تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عني أسماؤها وحفظ تعاريف واضعيها، أما الدرس الثالث فكان الشيخ فيه منهمكا

في تعريف الرئة واختلاف الأطباء الأقدمين فيها وما قالوا في تكييف الصوت إلى

كلام طويل، وكان ذلك كله استطرادا من قول النحاة: اللفظ صوت مشتمل على بعض

الحروف وعلى ما ذكرت لك كان الحال في بقية الدروس حتى إذا انتهيت إلى

درس آخر الكتب كان يخيل لي أن الشيخ إنما يلفظ رطانة لا أفهمها وإني

لأقسم لك - وأنت تعلم قدر اشتغالي بالعربية وشدة شغفي بها - إنه لم يعلق بذهني من

كل ما سمعته إلا كلمتين إحداهما قوله بين أجزاء كل جملة وعلى رأس كل كلمة:

(قال الشيخ رحمه الله تعالى) ، والثانية ذكر سبب تسمية سيبويه من أن سيب

اسم للرائحة بالفارسية وويه اسم للتفاح.

هذا ما رأيته وأقول لك على الجملة في مدرسة بعيدة الصيت طائرة الشهرة في

كل قطر من بلاد المسلمين حتى كاد بعضهم أن يعلق بها الأمل في نجاح كل عمل.

ومما هو جدير بي أن أجمل لك فيه القول في الرسالة أن سني الطلب يغلب

أن تكون من خمس عشرة سنة إلى ما يحتمل أن يعمر إنسان، والطالب يشتغل

هناك بالكتاب الأول في السنة الأولى ثم بالكتاب الثاني في الثانية ثم بالثالث والرابع

والخامس والسادس في خمس سنين ثم ينتقل على النحو ويكون قد حضر ما يقابله

من كتب الفقه إلى علوم البلاغة ثلاث سنين ثم يصرف ما بقي في تلقي كتاب كبير

في الأصول وفي خلال هذه المدة يكون قد حضر في أوقات غير مضبوطة ولا

منتظمة علوم التوحيد والمنطق والتفسير، وبعد أن يأتي على ذلك كله درسا يكون

يكون على خيار من أن يتقدم لشهادة الدراسة أو يرجع إدراجه إلى تلك الكتب

والفنون فيتلقاها درسا درسا ويسمون ذلك فيما بينهم إعادة المذهب.

وقد ضمني مجلس مع أحد المترشحين لشهادة الدراسة وكان ممن أعادوا

المذهب فرأيت منه رجلا وقورا صالحا على رأس الخامسة والأربعين من عمره غير

أن بلسانه حبسة وعيا فعمدت إلى أن أعرف مبلغ علمه بالكتابة فقدمت إليه بلطف

طلب ورقة سؤال راجيا أن يكتب لي ما تيسر من إنشائه ولما لم أفلح أكثرت عليه

من الإلحاح والإلحاف في الطلب فاكتفى بأن أخرج لي كتابا كان قد حرره لأخ له من

أبيه أصغر منه سنا يرتزق من الفلاحة والزرع يرجو منه إرسال شيء من النقود

والزاد ويبشره بقرب نيل الشهادة، أحببت أن أبعث به إليك بعد أن أقسم لك بالله قسما

حقا لا آثما فيه ولا حانثا أنه على أصله، ما تخونت منه حرفا واحدا وهو كما ترى قد

قبضت من أسطره روح البلاغة وانطفأ منها نور البيان وجفت منها غضاضة الذوق

في التعبير، ولقد كانت النفس تجد لها بعض السلوى وتلتمس لكاتبها شيئا من العذر

لو لم تكن الرسالة محشوة بالأغاليط الصرفية واللحنات النحوية كما يظهر ذلك لأول

نظرة فيها ولله حكمة خافية في ثماني سنوات مضت في درس النحو والصرف هذا

ما أذكره لك في رسالتي هذه إجمالا وسترى فيما يتلوها إن شاء الله إسهابا شافيا

والسلام عليك ورحمة الله (الإمضاء) .

وسأوافي حضرات قراء المنار الأغر بالرسالتين الباقيتين اللتين أرسلهما

لصاحبه بعد هذه وهما كما قلت غاية في آداب الانتقاد والاعتدال مما يستميل قلوب

العقلاء إليه ويستدر ألسنة الناس بالثناء عليه.

... ... ... ... ... ... ... عبد العزيزعثمان العريشي ... بالأزهر

(المنار) نشرنا هذه الرسالة تنشيطا لكاتبها الأديب وبيانا لكيفية التعليم في

الأزهر يعرف ذلك بالتفصيل من لا يعرفه من أهل الأقطار الإسلامية وننتظر أن

تكون الفائدة في رسالتي الهندي الأخريين أتم مما فيه هذه الرسالة.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: مصطفى صادق الرافعي

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١٩٠