في حيدر أباد يصف له فيها الأزهر والأزهريين بعبارة لا تسلم من العجمة ولكن لم
يركب بها مخارم الإغراب ولم يتدل إلى حضيض العامية المبينة وقد تحامى في
انتقاداته خشن القول وغليظ الكلام حتي جاء كلامه أكرم انتقاد وأعفه وأكفه وأحلمه.
لذلك أحببت أن أبعث بها إلى أعظم مجلة إسلامية وأرسخها قدما في الإسلام
وأحبها لنشر فضائل رجاله وأحرصها على رأب صدعهم ومداواة دائهم، وقد
تصرفت بالعبارة تصرفا لا يمس شيئا من المعنى راجيا أن لا تضيعوا لي أملا،
والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، وهذه صورة الرسالة الأولى:
(من القاهرة إلى حيدر أباد)
سلام عليك أيها الأخ الفاضل، أمد الله في حياتك ولا حرمني إخاءك، وأسبغ
علي رداء إخلاصك، وبعد فقد ورد إلي كتابك الكريم أحوج ما كنت إليه فاستعذبته
وحسن موقعه من قلبي، وما ذكرت أيها الأخ من استبطاء المراسلة وإشفاقك من أن
يصرم البعد حبل الود ويطفئ غلة الشوق والوجد ويضرب على ما سبق به الوعد،
فأنا أستغفر لك الله في ذلك وهو العليم بما لك في فؤاد أخيك مهما شطت به دار
الغربة وبعدت به النجعة. وما كان لي وأنت موضع ثقتي ومكان إخلاصي وبك
أعتضد وعليك أعتمد أن أظهر قولك زورة طيف أو أنسى وعدك لمحة طرف وإنما
هي الأسفار أورثتني من الضعف والشحوب والإنضاء، ما لو رأيته لأصبحت
عذيري فيما ارتكبت من الإبطاء، ويعلم الله أنني أكتب لك ما أكتب وأنا نضو سفر
قد ألحفني وعثائه جلبابا، وقل أطرقة ضربت علي من رواقها قبابا، ولقد كان
الأجدر بي أن لا أكتب لك كلمة حتى أتزيد من الراحة أياما، وأسترد بعض ما فقدت
من القوة لولا ما أخشاه من جرح صدرك وتغير فؤادك، فأما ما ذكرتني به وأخذتني
على تأخيره وسألتني إنجازه من زيارة مدرسة الأزهر الإسلامية الهائلة واستعجالي
بزيارتها إن لم أكن فعلت ثم بالكتابة إليك بما استبان لي من أمرها وطريقة التعليم
بها، وأن أسهب لك القول فيما أجده بها من مواضع النقد والملاحظة. فقد صادف
جميع ما ذكرت سابق رأي مني فيه. وإن مدرسة يزيد عدد طالبيها على تسعة
آلاف من المسلمين ما بين مصريين وسوريين وروسيين وعرب وأتراك وبربر
وهنود لجديرة بأن لا أنساها في سياحتي بل جديرة بأن تكون زيارتها ودرس
أحوالها جل ما أنا قاصده من تجوالي في ربوع الإسلام غير أن كتابك قد ورد علي
وأنا لم يمض لي غير يومين في القاهرة قد مضى يومان آخران من تاريخ وروده
وأنا لم أزر تلك المدرسة إلا زورة واحدة لما ذكرت لك من الضعف واللغوب
وسأكتب نموذجا بما وقع لي منها في تلك الزورة مرجئا التفصيل والإسهاب لغيرها
من الرسائل ولا غرو أيها الفاضل أن أكتب رسالتي هذه مختصرة في الوصف
مقتصرة على ما ذكرته لك على وجه الجملة شأن من كان غريب الدار غريب اللغة
فأقول:
كثيرا ما كنت أسمع من إخواني في الهند إذا حادثتهم في شأن الأزهر كلمة
مقولة وهي (الأزهر أكبر مدرسة دينية على سطح الكرة الأرضية) فكنت أهتز
لذلك من الارتياح والطرب (كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب) ولطالما كان
يقع في أذني إذ ذاك أنه على كثرة طالبيه وتعدد معلميه قليل النظام مختل طريقة
التعليم عقيم النتيجة، ولكن ما كان ذلك لينتزع من قلبي تلك الهزة وذلك الإعجاب به
وبكثرة طلابه وما كان ليسوئني من أن أجد فيه إذا دخلته قليلا من النظام وبعض
الترتيب ولقد بت ليلة قدومي إلى القاهرة من الوجد لزيارته بليلة الملسوع. حتى إذا
كنت من صباح الغد وبلغت الساعة.. أسرعت بركوب عربة إليه ودخلت فإذا
ساحة مترامية الأنحاء لا فرش فيها إلا الغبراء ولا غطاء عليها إلا السماء غير أنها
تخلو من جمال هندام في جدرانها وكمال الهندسة في شكلها وإتقان صنعة فيما يحيط
بها من الأبواب والنوافذ ورأيت بها - والفصل كما تعلمون شتاء - أناسا كثيرين
يتشمسون وقد اشتغل البعض بتلاوة القرآن والبعض بالمذاكرة في كراسة بيده،