تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المتعصب للمذاهب.

والطبقة الثالثة هم (العامة) وهؤلاء يهديهم العلماء مع بيان الدليل

بقصد الإقناع، فالعلماء عندنا لا يجسرون على أن يفتوا في مسألة مطلقا ما لم

يذكروا معها دليلها من كتاب منتقى الأخيار الذي شرحه وهو ليس له،

والعرب لم يهملوا المنطق وإنما خرجوا به عن النظريات المحضة إلى الكتاب

أو السنة أو الإجماع، ولو كان المستفتي أعجميا أميا لا يفهم ما الدليل

وطريقتهم هذه هي طريقة الصحابة كافة والتابعين عامة والأئمة المجتهدين

والفقهاء الأولين من أهل القرون الأربعة أجمعين (مرحى) . ...

والتزام علمائنا هذه الطريقة مبني على مقاصد مهمة أعظمها تضييق

دائرة الجرأة على الإفتاء بدون علم وفي هذا التضييق على العلماء توسعة

على المسلمين وسد لباب التشديد في الدين والتشويش على القاصرين، ولهذه

الحكمة البالغة بالغ الله ورسوله في النكير على المتجاسرين على التحليل

والتحريم والمستسلمين لمحض التقليد.

فالعالم عندنا لا يستطيع أن يجيب إلا عن بعض ما يسأل ولا يأنف أن

يقف عند (لا أدري) بلى يحذر ويخاف من غش السائل وتغريره إذا أجابه بأن

فلانا المجتهد يقول: إن الله أحل كذا أو حرم كذا؛ لأن السائل لا يعلم ما يعلم

هو من أن هذا المجتهد الذي ليس بمعصوم كثيرا ما يخالف في قوله من هو

أفضل منه من الصحابة والتابعين ومن أنه يتردد في رأيه وحكمه، كم اجتهد

وكم رجع، ومن أن أكثر دلائله إما ظنية الثبوت أو ظنية الدلالة أو ظنيتهما،

ومن أنه لم يدون ما قاله ولكن نقله عنه الناقلون، وكم اختلفوا في الرواية عنه

بين سلب وإيجاب ونفي وإثبات وكم زيف أصحابه اجتهاده ورأوا غير ما رآه

ومن أنه أي المجتهد إنما اجتهد لنفسه وبلغ عذره عند ربه وصرح بعدم جواز

أن يتبعه أحد فيما اجتهد وتبرأ من تبعة الخطأ.

فهذا (الإمام مالك) رضي الله عنه يقول: ما من أحد إلا وهو مأخوذ من

كلامه ومردود عليه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقل المؤرخون أن

المنصور لما حج واجتمع بمالك أراده على الذهاب معه ليحمل الناس على

الموطأ كما حمل عثمان الناس على المصحف فقال مالك: لا سبيل إلى ذلك؛

لأن الصحابة افترقوا بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام في الأمصار يريد أن

السنة ليست بمجموعة في موطئه الذي جمع فيه مرويات أهل المدينة.

وحكي في اليواقيت والجواهر أن (أبا حنيفة) رضي الله عنه كان يقول:

لا ينبغي لمن لا يعرف دليلي أن يأخذ بكلامي، وكان إذا أفتى يقول: هذا رأي

النعمان بن ثابت- يعني نفسه - وهو أحسن ما قدرنا عليه فمن جاء بأحسن منه

فهو أولى بالصواب.

وروى الحاكم والبيهقي أن (الشافعي) رضي الله عنه كان يقول: إذا

صح الحديث فهو مذهبي، وفي رواية: إذا رأيتم كلامي يخالف الحديث

فاعملوا بالحديث واضربوا بكلامي الحائط وأنه قال يوما للمزني: يا إبراهيم

لا تقلدني فيما أقول وانظر في ذلك لنفسك فإنه دين، وكان يقول: لا حاجة في

قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويروى عن (أحمد بن حنبل) رضي الله عنه أنه رأى بعضهم يكتب

كلامه فأنكر عليه وقال: تكتب رأيا لعلي أرجع عنه، وكان يقول: ليس لأحد مع

الله ورسوله كلام، وقال لرجل لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الأوزاعي ولا الحنفي

ولا غيرهم وخذ الأحكام من حيث أخذوا من الكتاب والسنة، وأسس

مذهبه على ترك التأويل والترقيع بالرأي واتباع الغير فيما فيه طريق العقل واحد.

ونقل الثقاة أن (سفيان الثوري) رضي الله عنه لما مرض مرض الموت

دعا بكتبه فغرقها جميعا.

وروي عن (أبي يوسف وزفر) رحمهما الله تعالى أنهما كانا يقولان:

لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعلم من أين قلنا، وقيل لبعض أصحاب أبي

حنيفة: إنك تكثر الخلاف لأبي حنيفة فقال: لأنه أوتي من الفهم ما لم نؤت

فأدرك ما لم ندرك ولا يسعنا أن نفتي بقوله ما لم نفهم دليله ونقنع (مرحى) .

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١٨٥