تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

النبوي أي السنة، وكذلك يقال في اعتنائهم باللغة العربية التي هي آلة فهم الخطاب.

وبالنظر إلى ذلك كان يجب أن نحرر الشريعة الإسلامية أحسن تحرير فلا

يوجد فيها ما وجد في غيرها بسبب عدم ضبط أصولها من اختلافات ومباينات مهمة

بين العلماء الأئمة فأرجوك أن تبين لي ما هو منشأ هذا التشتت الذي نراه في

الأحكام.

أجابه (العالم النجدي) أن الاختلافات الموجودة في الشريعة ليس كما يظن

شاملة للأصول بل أصول الدين كلها والبعض من الفروع متفق عليها؛ لأن لها في

القرآن أو السنة أحكاما صريحة قطعية الثبوت قطعية الدلالة بإجماع الأمة الذي لا

يجوز العقل فيه أن يكون عن غير أصل من الشرع [2] .

أما الخلافات فإنما هي فروع تلك الأصول في بعض الأحكام التي ليس لها في

القرآن أو السنة نصوص صريحة بل بعض علماء الصحابة رضي الله عنهم وفقهاء

التابعين، ومن جاء بعدهم من الأئمة المجتهدين أخذوا تلك الأحكام التي اختلفوا فيها إما

تلقيا من بعض الصحابة، فكل قلد من صادف [3] . وإما استنبطوها اجتهادا من

نصوص الكتاب أو السنة بالمدلول المحتمل أو بالمفهوم أو بالاقتضاء أو من قرائن

الحال أو قرائن القال أو بالتوفيق أو بالتخريج أو التفريع أو بالقياس أو باتحاد

العلة أو باتحاد النتيجة أو بالتأويل أو الاستحسان، وهذه الأحكام الخلافية كلها ترجع

إلى دلائل إما قطعية الثبوت ظنية الدلالة، أو ظنية الثبوت ظنية الدلالة. ولكل واحد

من المجتهدين أصول في التطبيق وقوانين في الاستنباط يخالف فيها الآخر، ومنشأ

معظمها الخلافات النحوية والبيانية.

ثم إن أكثر الخلافات هي في مسائل المعاملات وعلى كل حال جاحدها لا يكفر

باتفاق الأئمة بل المخالفون لا يفسق بعضهم بعض إذا كان التخالف عن اجتهاد لا

عن هوى نفس أو تقصير في التتبع الممكن للمقيم في دار الإسلام (مرحى) .

قال (السعيد الإنكليزي) : إني أشكرك على ما أجملت وأوضحت غير أنك لم

تذكر في جملة أسباب الاختلاف في اعتبار الناسخ والمنسوخ بين آيتين أو حديثين

أو آية وحديث وإني أظن أن ذلك من أعظم أسباب الاختلاف في الأحكام.

أجابه (العالم النجدي) : إن نواسخ الأحكام قليلة ومعلومة والخلاف فيها أقل؛

لأن النسخ في زمن التشريع لم يحصل إلا عن حكمة ظاهرة كالتدريج في منع

السكر كالنهي عنه حالة الصلاة ثم تعين منعه. وكتغيير المقتضي للتوارث بالإخاء

وهو القطيعة التي حصلت بين المهاجرين وذوي أرحامهم في بدء الأمر ثم لما

تلاحقوا بعد فتح مكة نسخ ذلك وجعل التوارث بالنسب. وكالدعوة في أول الإسلام

إلى التوحيد والدين بمجرد الموعظة بدون جدال ثم به بدون صدع ثم به بدون قتال

ثم به في أهل جزيرة العرب فقط ثم بتعميمه مع قبول الجزية والخراج من

غيرهم [4] (مرحى)

قال (السعيد الإنكليزي) : إن ما وصفت من أصول الاجتهاد وقوانين

استنباط الأحكام قد أنتج خلاف ما يأمر الله به في قوله تعالى: {أقيموا الدين ولا

تتفرقوا فيه} (الشورى: 13) وخلاف ما تقضيه الحكمة فهل من وسيلة سهلة

لرفع هذا التفرق.

أجابه (العالم النجدي) إني لا أهتدي لذلك سبيلا [5] ولعل في الإخوان من يتصور وسيلة لهذا الأمر المهم.

فابتدر (العلامة المصري) مخاطبا السعيد الإنكليزي وقال: إن رفع الخلاف

غير ممكن مطلقا ولكن يمكن تخفيف تأثيراته: وذلك أنه لما كان معظم الاختلاف

كما قرره أخونا العالم النجدي في الفروع دون الأصول وفي السنن والمندوبات

والصغائر والمكروهات دون الشعائر والواجبات والكبائر والمنكرات كان أكثر الأمة

هم العامة الذين لا يقدرون أن يميزوا بين الواجب والسنة والمندوب وبين النفل

والمباح بل تنقسم الأحكام كلها في نظرهم إلى نوعين أصليين فقط: مطلوب

ومحظور، وبتعبير آخر: إلى حلال وحرام، وكانت أحكام الشريعة كثيرة جدا،

فالعامة يجدون أنفسهم مكلفين بما لا يطيقون الإحاطة بمعرفته فضلا عن القيام به

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١٦٥