بين الخافقين، فقد كان المؤلفون من الأندلس وبلاد البربر ينقلون من كتب المؤلفين
المعاصرين في العراقين من المشرق كما كان هؤلاء ينقلون من أولئك في كل عصر
فكانت تلك الهمم الكبار تغنيهم عن الكهرباء والبخار، وآية أخرى من آيات هذا
الاستعداد حفظ العلم والتاريخ فقد كان الكتاب يوجد قبل الإسلام في الأمم ثم يذوب
ويضمحل كأن لم يكن شيئا مذكورا، أرأيت الإسرائيليين على غلوهم في دينهم كيف
مرت عليهم السنون والأحقاب وليس عندهم من كتاب شريعتهم إلا نسخة واحدة
حتى إذا فقدت ذهبت الثقة بمجموع ديانتهم إلا ما كانوا يحفظون ويعملون. وقس
بهم العرب الأميين، وانظر كيف حفظوا كتابهم في الصدور والسطور. وكيف
رأوا في الصدر الأول أن يرسلوا بالمصاحف إلى الأقطار لتكون أصولا يكتب منها
بصفة رسمية؛ لأن مصحفا يرسله خليفة رسول الله بمشاورة أصحاب رسول الله
واتفاقهم له حكم النقل المتواتر المجمع عليه، ولولا ذلك لكان نقل المصاحف
مقصورا على الأفراد الذين كانوا يحملونها، وإذا اشتبه في هذه الحال بكلمة اختلف
فيها ناقل مع ناقل أو حافظ تقع الحيرة في الترجيح لعدم وجود أصل مجمع عليه أو
عدد كثير من المصاحف مأخوذة عن ذلك الأصل أو عدد مثله من الحفاظ. ولكن
ذلك لم يقع فلا خلاف بين المسلمين في كلمة ولا في حرف من حروف القرآن
العزيز.
من آية استعداد الأمم للإصلاح الإسلامي على الطريقة الأولى (الاستدلال
بالعلة على المعلول) النظر في أصول هذا الإصلاح فمنها حاجة البشر الطبيعية
إلى رابطة عامة بين الأمم المختلفة في الجنس واللغة والدين، فقد كانت هذه الروابط
خاصة تجمع طائفة محصورة ليعيش أفرادها معيشة اجتماعية ولكنها تجعلهم أعداء
للطوائف التي ترتبط برابطة أخرى والإسلام جاء لجمع كل الأمم كما سنبينه بعد.
ومنها إقامة قواعد العمران والاجتماع على سنن الكون التي تعرف بالاختبار،
ومنها تقييد سلطة رؤساء الدين والدنيا وجعل مصالح الأمم شورى بين أهل الرأي
منهم وأصحاب الحل والعقد المرضيين عندهم، ومنها جعل أحكام الشريعة دائرة على
درء المفاسد وحفظ المصالح وتحكيم العرف. وكل الأمم الراقية إنما ارتقت بمثل هذه
الأصول التي وضعها الإسلام، سواء لقبت بلقب الإسلام أو لم تلقب به.
ومن آية ذلك تلك الطريقة أيضا ما أثبته علم الاجتماع من ارتقاء الإنسان
بالتدريج فبعد أن كان في ظلمات من بحر الوثينة اللجي من فوقه موج من فوقه
سحاب لا يكاد يرى شيئا من نور الفطرة ارتقى في الوثنية من الاعتقاد بتأثير
مظاهر الطبيعة التي لا يفهم معناها من جماد ونبات وحيوان وإنسان إلى الاعتقاد
بأن تلك المعبودات لا تؤثر بنفسها، وإنما تقرب من يخضع لها من واجب الوجود
وتشفع له عنده في قضاء الحوائج بهذا الاستعداد اصطلم الإسلام بالتوحيد جراثيم
الوثنية من جزيرة العرب ثم انتشر التوحيد الخالص في العالم مؤيدا بالعلم فلم
يخب مصباحه في مكان إلا وأشرق في غيره. فأكثر أهل أوربا اليوم موحدون لا
يعتقدون بسلطة ولا تأثير في الكون إلا لمدبر الكون الذي وضع سنته ونواميسه.
﴿وخلق كل شيء فقدره تقديرا﴾ (الفرقان: 2) ولقد كان النبي قبل الإسلام يبعث
بالتوحيد فيؤمن به النفر أو القوم فلا يمضي عليهم زمن إلا ويعودون إلى الوثنية
ويلتمسون لها الدلائل من الدين فيمحى التوحيد بالمرة. ولكنه لم يمح بعد ظهور
الإسلام وإن دبت الوثنية إلى بعض المسلمين وصبغت عندهم بصبغة الدين
بضروب من التأويل والتحريف، وسنوضح مسألة الاستعداد بما قاله الأستاذ في
ارتقاء الأمم بالدين وبسبب ظهور الإسلام في العرب الأميين، فانظر ذلك في الدرس
الآتي.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) المراد بالطريق فطرة الله التي فطر الناس عليها.
(2) شروع في بيان الكلمة المستعارة قال في الدرس: وفاتني وقت الكتابة ذكر دولة الصين فإنها كانت أيضا ممزقة بالحروب الأهلية والحرب مع التركمان، وسنذكرها في طبعة ثانية إن شاء الله تعالى.</span></span>