وكان الشاعر لا يعان على وزن الكلام وصياغته شعرا ولا يؤيد فيه بروح القدس،
وإذا كان هذا كذلك فينبغي أن يعلم أن ليس المنع في ذلك منع تنزيه وكراهة بل
سبيل الوزن في منعه عيه السلام إياه سبيل الخط حين جعل عليه السلام لا يقرأ ولا
يكتب في أن لم يكن المنع من أجل كراهة كانت في الخط بل؛ لأن تكون الحجة
أبهر وأقهر، والدلالة أقوى وأظهر، ولتكون أعم للجاحد [2] وأقمع للمعاند، وأرد
لطالب الشبهة، وأمنع في ارتفاع الريبة.
وأما التعليق بأحوال الشعراء بأنهم قد ذموا في كتاب الله تعالى فما أرى عاقلا
يرضى به أن يجعله حجة في ذم الشعر وتهجينه، والمنع من حفظه وروايته،
والعلم بما فيه من بلاغة، وما يختص به من أدب وحكمة؛ ذاك لأنه يلزم على قول
هذا القول أن يعيب العلماء في استشاهدم بشعر امرئ القيس وأشعار أهل الجاهلية
في تفسير القرآن وغريبه وغريب الحديث، وكذلك يلزمه أن يدفع سائر ما تقدم
ذكره من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالشعر وإصغائه إليه واستحسانه له، هذا
ولو كان يسوغ ذم القول من أجل قائله، وأن يحمل ذم الشاعر على الشعر لكان
ينبغي أن يخص ولا يعم وأن يستثنى فقد قال الله عز وجل: {إلا الذين آمنوا
وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا} (الشعراء: 227) ولولا أن القول يجر
بعضه بعضا وأن الشيء يذكر بدخوله في القسمة لكان حق هذا ونحوه أن لا يتشاغل
به وأن لا يعاد ويبدأ في ذكره اه.
-----------------
<span class="footnote">
(1) التلعة تطلق على ما علا وما سفل من الأرض وقيل هي ما اتسع من فوهة الوادي.
(2) البوادر جمع بادرة وهي الحدة أو ما يبدر من الإنسان عند الحدة من الخفة إلى الانتقام بالقول أو الفعل والحديث رواه ابن عساكر وابن النجار بلفظ (بجدنا) بدل (مجدنا) وفيه أنه أنشد البيتين بعد ذلك من نفسه فقال له عليه السلام: (لا يفضض فوك) مرتين قال الراوي: وهو يعلى بن الأشدق فلقد رأيته بعد عشرين سنة ومائة، وأن لأسنانه أشرا كأنه البرد والأشر الحدة والرقة في أطراف الأسنان والتحزيز الذي يكون فيها.
(3) الغروب: الأسنان ورفيفها بريقها كذا في الهامش بخط الأستاذ وقبل هذه الجملة (ولا انفكت) وهي مع ترف غروبه جملة واحدة ولا الانفلال التثلم والأشر.
(4) المتبول: من تبله الحب إذا أضناه وأفسده أو ذهب لبه وعقله، والمتيم: المذلل المعبد والمغلول من وضع الغل في عنقه، وفي رواية (مكبول) وهو المقيد بالكبل أي القيد.
(5) وفي نسخة (سح لسقاة عليها) أما الرواية المشهورة في البيت فهي شجت بذي شبم من ماء مخنية/ صاف بأبطح أضحى وهو شمول.
(6) وفي رواية (ويلمها خلة) .
(7) وفي رواية لنور بدل السيف ولا تفسر الأبيات فالقصيدة شهيرة وشروحها في الأيدي على أنني لم أر أحدا من المحدثين رواها.
(8) روى الدارقطني في الأفراد عن عائشة والبخاري في الأدب والطبراني في الأوسط وابن الجوزي في الواهيات عن عبد الله بن عمر والشافعي والبيهقي عن عبد الله مرسلا: (الشعر كلام بمنزلة الكلام فحسنه حسن الكلام وقبيحه قبيح الكلام.
(9) هذا هو جواب قوله: (فإن قال إذا قال الله) إلخ قاله الأستاذ الإمام.</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
تتمة الاجتماع الرابع لجمعية أم القرى
قد وجد فينا علماء كان أحدهم يطلع في الكتاب أو السنة على أمر أو نهي
فيلقاه على حسب فهمه ثم يعدي الحكم إلى أجزاء المأمور به أو المنهي عنه أو إلى
دواعيه أو إلى ما يشاكله، ولو كان من بعض الوجوه، وذلك رغبة منه في أن يلتمس
لكل أمر حكما شرعيا، فتختلط الأمور في فكره وتشتبه عليه الأحكام ولا سيما من
تعارض الروايات فليلتزم الأشد ويأخذ بالأحوط ويجعله شرعا، منهم من توسع
فصار يحمل كل ما فعله أو قاله الرسول عليه السلام على التشريع، والحق كما