تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لأن الناس في كل عصر لا يستفيدون في هداية الأنبياء إلا بقدر استعدادهم فكم من

نبي لم يؤمن به إلا النفر القليل كما ورد في نوح عليه السلام.

وكم من نبي لم يؤمن به أحد كما قال تعالى بعد ذكر قصة نوح: {ثم بعثنا

من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل} (يونس: 74) وأكثر الأنبياء قد درست آثارهم في الشرق حتى إن صحف

إبراهيم لم يحفظ منها شيء وهو أبو الأنبياء وخليل الرحمن والذي حفظت له الذكر

الحسن جميع الأمم المؤمنة لأنها كانت قد ارتقت وصار فيها من يعرف قدر العظماء

ويحفظه؛ ولأن النبوة تسلسلت في ذريته باتصال فهل ينكر مع هذا أن لا يحفظ

للأنبياء الذين يظهرون في الأمم الجاهلة الهمجية أثر؟

***

(المسألة 99)

ارتقاء الدين: جرى الدين في سنة الارتقاء وكان كماله في الشرق وذلك من

عهد إبراهيم إلى عهد محمد خاتم النبيين فالأنبياء ليسوا سواء في إصلاح الأمم في

عقائدها وأعمالها وآدابها وروابطها الاجتماعية؛ لأن الحاجة إلى الإصلاح تختلف

باختلاف الأمم والأقوام فالبدو أقل من الحضر ضلالا في الفكر وأقل علما لأنهم أهل

فطرة لم تتحكم فيها المذاهب الوضعية والآراء النظرية وأقل فسادا في الأخلاق

والآداب لسذاجتهم وبعدهم عن الترف وليس في البداوة من الشئون الاجتماعية مثل

في ما في الحضارة فتحتاج إلى ما تحتاج إليه من الشرائع المدنية والقضائية

والسياسية.

كان الناس على بساطتهم وسلامة فطرتهم فلما دب فيهم الفساد لم يفش إلا

بالتدريج فكان يظهر فيهم الشكر في العبادة وهو التوجه إلى شيء من المخلوقات

يكون صلة بينهم وبين الخالق الذي يشعر به فطرتهم، ولا يحيط به علمهم ولا

تحدده مخيلتهم، ويفشو فيهم بعض الشرور فيظهر الله فيهم واحدا منهم كبير العقل

زكي النفس يلهم قلبه بوحي إليه أن ينذرهم العقوبة على ظلمهم وينهاهم عن الشك

والرذيلة ويأمرهم بضدهما وبذلك تستقيم حال من أطاعه؛ لأن هذا الذي طرأ عليهم

هو الذي يطفئ نور الفطرة بالتمادي فيكون الإنسان شيطانا مريدا.

ألا ترى أن من الأنبياء من لم يذكر له القرآن إلا الدعوة إلى التوحيد فقط.

ومنهم من ذكر له النهي عن معصية كانت فاشية فكان يدعو إلى التوحيد

وينهى عنها دائما كما جاء في قصة لوط من النهي عن الفاحشة دائما.

وكقوله تعالى في رسالة شعيب عليه السلام {وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم

اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان} (الأعراف: 85) ثم حكي عنه ﴿ويا قوم أوفوا المكيال والميزان﴾ (هود: 85) .

فيفهم من تكرار ذلك أن المقصود الأعظم من رسالة شعيب عبادة الله تعالى وحده.

وإيفاء المكيال والميزان لأن قومه كانوا مطفقين (كأكثر الباعة في مصر لهذا العهد)

﴿إذا اكتالوا على الناس يستوفون﴾ (المطففين: 2) ، {وإذا كالوهم أو وزنوهم

يخسرون} (المطففين: 3) ، ولم تكن رسالة موسى بهذا الاختصار فقد كانت لها

شريعة واسعة وفيها هجرة وحرب؛ لأن معيشة الحضارة وحكم الاستبداد أثرا في بني

إسرائيل تأثيرا أفسد طباعهم من جهة، وجعلهم مستعدين لحياة مدنية فاضلة من جهة

أخرى فكانت هدايتهم أصعب.

***

(م 100: تعدد الرسل ومراتبهم)

كان الناس أمة واحدة على فطرة الله التي فطر الناس عليها ذلك عندما كانوا

على البداوة التي هي أقرب إلى الحياة الفردية منها إلى الحياة الاجتماعية فقضت

سنة الارتقاء أن يزيدوا اجتماعا بالتدريج فكانت بعد البيوت والأسر العشائر

والفصائل والقبائل والشعوب والأمم. وكانوا كلما ارتقوا درجة في الاجتماع تقوى

فيهم الأطماع التي يقضيها التنازع، وكان يظهر فيهم عند الدخول في كل طور من

هذه الأطوار هداة يرشدونهم إلى ترك الضار بأنفسهم منفردة ومجتمعة ويدلونهم على

ما به تسلم أرواحهم من الفساد في الاعتقاد والأخلاق وفي ذلك سعادة الدنيا والآخرة،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١٢٠