تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذا نص قاطع صريح في أن هذه الرحمة الإلهية والهداية السماوية كانت منحة

عامة لجميع الأمم في كل بقعة من بقاع الأرض. وإنه لقول فصل، تصافح فيه

العقل والنقل، فإن قيل لم لم يذكر في بيان هذا الإجمال بذكر الأنبياء والمرسلين

نبيا أرسل في الهند أو الصين أو أوربا أو أميركا؟ نقول إن ذكر الأنبياء لم يأت بيانا

لإجمال في هذه الآية وإنما أتى لبيان سنن الله تعالى في الأمم مع أنبيائهم لأجل

العبرة للمنذرين. وتثبيت المرسلين، قال تعالى: {لقد كان في قصصهم عبرة

لأولي الألباب} (يوسف: 111) وقال: {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما

نثبت به فؤادك} (هود: 120) وكل من العبرة والتثبيت إنما يكون بما هو

معروف ولو بوجه ما، ولذلك تكرر ذكر الأنبياء الذين تعرف أقوامهم أو بلادهم

بالتفصيل أكثر مما لا يعرف إلا بالإجمال. ويكفي ذكر آية واحدة لبيان أن رحمته

تعالى لعباده بإرسال الرسل لهدايتهم عامة؛ لأن جميع الخلق عيال الله تعالى وهو بهم

رؤوف رحيم.

أرأيت لو جاء هذا النبي العربي قومه بذكر نبي كان أرسل في أميركا منذ

مائة ألف سنة وذكر لهم بعض شأنه معهم أكان يحصل لهم من العبرة بعض ما

حصل من أخبار أمة اليهود، وخبر صالح في ثمود؟ كلا إن ذكر المجهول المطلق

يحمل على التخيل والاختراع، ويقول الناس في أمثالهم: إذا أردت أن تكذب فأبعد

الشهود.

ولذلك كان يأمرهم أحيانا بسؤال اليهود، ونزل في قصة ثمود: {وإنكم

لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون} (الصافات: 137-138) .

وما يدرينا أن كونفشيوس كان نبيا مرسلا إلى أهل الصين، فإن آثار هدايته

وحكمته لم تمح بالمرة وكذلك يقال في بوذة فإن قيل يوجد في عقائد القوم ما يحكم

الإسلام بأنه لا يمكن أن يكون من دين الله لا سيما ما في الديانة البوذية من الشرك

بالله تعالى؟ نقول أليس يوجد في عقائد من صرح القرآن الحكيم بأن كتبهم سماوية

وديانتهم إلهية، أمثال هذه العقائد التي يعدها الإسلام وثنية؟ فما يدرينا أن هذا دخل

على القوم بالتأويل والتحريف كما دخل على من بعدهم إلى يومنا هذا {ألم يأن

للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا

الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون} (الحديد: 16) إذن إن طول الأمد على البعثة مظنة الفسوق عن أمر الله تعالى

والعبر بين أيدينا وعن أيماننا وشمائلنا، فألهمنا اللهم رشدنا.

فإن قيل: إذا جوزتم أن تكون الأمم التي سبقت لها آداب سامية، ومدنية

زاهية، قد استمدت ذلك من الديانة السماوية، كما قلت في الأمة الصينية، فما هو

الحكم في الأمم الهمجية التي لا يكاد يفصلها عن الحيوان الأعجم إلا بدو البشرة

والضحك بالطبع كبعض زنوج أفريقيا وسكان بعض جزائر القاموس المحيط

الأعظم؟ إن قلتم إنه بعث فيهم أنبياء فأين آثار هدايتهم في الأمة؟ وإن قلتم لما

يرسل إليهم رسول فأين العموم في قوله تعالى: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ (فاطر: 24) فالجواب أن الله جلت حكمته خلق هذا الإنسان وجعل كماله

الوجودي بالارتقاء التدريجي في عمله بالكون وعمل الكون به فكلما استعد لمرتبة

من مراتب ذلك الكمال أعطاه إياها فهو يأخذ دائما بقدر استعداده. وإطلاق القول في

العموم والخصوص يراعى فيه قيد ما عرف في نظام الوجود أنه شرط له فإذا قلنا:

إن الأنثى تلد أو كل أنثى تلد فالمراد أنها تلد في سن الولادة وبشرطها الوجودي فلا

ينقضه كون الصغيرة لا تلد. فإذا فرضنا أن المسئول عنهم لم يظهر فيهم مرشد ينذر

قومه بما يعطيه الإلهام الإلهي من المعرفة سوء ما هم فيه من إفساد ويدلهم على

الحق وطرق الإصلاح فلا شك أن ذلك لعدم استعدادهم لفهم الحق ومعرفة الخير من

الشر.

على أن عدم ارتقائهم في المدنية لا يدل على أنه لم يظهر فيهم نذير ولا مرشد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ١١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ١١٩