تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه الحقائق الثمينة ذيولا لترجمة هذا الكتاب أحرى باستمالة الناس إلى مطالعتها،

كأنه لم يشعر بأنه أشهر من صاحب الكتاب لدى قراء العربية، ولم يستشعر أن

الثقة به في شؤون الإسلام أقوى من الثقة بذاك عند جميع الشعوب الإسلامية،

وغيرهم من الشعوب الشرقية، وكثير من علماء البلاد الغربية وإننا نكتفي الآن

بذكر عناوين فصول الكتاب، وأهم عناوين الحواشي لتعريف قراء المنار

قيمتها.

- أما موضوع الكتاب ومواده فهي مودعة في مقدمة وتسعة فصول وخاتمة لا

يستغني مسلم يهمه أمر أمته وملته عن الاطلاع عليها.

المقدمة (في نشوء الإسلام وارتقائه وانحطاطه) وقد أنصف فيها الإسلام

بالثناء عليه، وبيان أصول الإصلاح والهدى المودعة فيه، فتكلم في ذلك كلام عليم

خبير منصف، وبين ما أصاب المسلمون بهدايته وما أصابهم بتركها وأسباب

الارتقاء وأسباب الانحطاط في الحالين بما تعطيه فلسفة التاريخ وأصول علم

الاجتماع للمطلع على تاريخ الإسلام القديم والحديث، والواقف على عقائده وآدابه

بالإجمال.

ولكن كلامه فيها لم يسلم من الخطأ في مسائل يتوقف تحقيق الحق فيها على

علم استقلالي واسع في العقائد الإسلامية والفرق المختلفة فيهم، فهو على إدراكه

لطهارة العقائد والآداب الإسلامية وموافقتها للفطرة البشرية والعقل السليم، ولعدالة

التشريع الإسلامي وإصلاحه اللذين جحدهما الشيخ علي عبد الرازق - ولكون

العرب كانوا أجدر الشعوب بفهم تلك المزايا لحريتهم وطباعهم السليمة غير

المضطربة بتقاليد الأديان التي كان قد أفسدها الزمان - وعلى جعله هذين الأمرين-

التعاليم الإسلامية والفطرة العربية - هما الأساس والعلة الأولى لنجاح الإسلام

ومدنيته , وعلى إدراكه أن الأعاجم المبلبلة قلوبهم وعقولهم بالتقاليد الموروثة لم

يفهموا الإسلام كما فهمه العرب، وأن تغلبهم على الخلفاء وسلبهم لسلطان العرب

كان علة العلل للانحطاط الذي تلا ذلك بالارتقاء , هو على إدراكه لكل ما ذكر - قد

اختلط عليه الأمر عند المقابلة بين أهل السنة ومتبعي النقل، والمعتزلة الذين

حكموا العقل.

علم أن الإسلام دين العقل والفطرة، فظن أن المعتزلة الذين أرجعوا كل شيء

في الدين إلى أصول العقل هم الذين استمسكوا بجوهر الإسلام ولبابه الصحيح،

وأن خصومهم المحافظين الذين ذهبوا إلى أن النقل والسنة مقياس كل شيء في

الدين، هم الذين جهلوا جوهر الإسلام، وظن أن الذين دخلوا في الإسلام، وقد

أشربوا في قلوبهم الدين البيزنطي القديم (وأمثالهم من الذين فهموا الإسلام بمرآة

أديانهم وتقاليدها؟) قد كانوا من زمرة أهل السنة والنقل؛ لما اعتادوا من التقليد،

وأنهم هم الذين أولوا القرآن والأحاديث النبوية تأويلات بعدت بها عن سهولتها

وبساطتها قال: (فنتج من ذلك أن أصيب الإسلام بمثل ما أصيبت به النصرانية

في الأجيال المظلمة، من تلبيس الدين عقائد غير عقائده، ونسبة الآراء الدينية

الجافة إليه وهو براء منها، فلا غرو إذا اشتد الخلاف واتسعت شقته وطال عهده

بين الذين اعتصموا بالسنة والنقل، فقاسوا عليهما، وبين الذين جعلوا العقل نفسه

مقياسا لكل شيء) .

ثم زعم أن عقيدة السنة هي التي غلبت على العقل كما كان متوقعا، وأن

تاريخ السنة والتقاليد إنما هو تاريخ السير نحو أدوار الاستبداد وعواقبه المشؤومة.

لم يفرق المؤلف بين السنة والنقل في الإسلام وبين التقاليد في الأديان الأخرى

وهي عبارة عن العقائد والشعائر الموروثة عن الآباء والرؤساء والمعلمين، والحق

الواقع أن كل ما ذكر من الفساد في الإسلام إنما كان من بدع الذين حكموا عقولهم

أي آراءهم النظرية في الدين، وأنهم هم الذين حولوا الإسلام عن بساطته المعقولة

الموافقة للفطرة، وهم الذين كانوا السبب في إدخال البدع وضلالات الأديان القديمة

وسخافاتها وخرافات الوثنية في الإسلام بالشبهات النظرية التي سموها دلائل عقلية،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٩٢