تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والاعتقاد، إلى أن وصل الحال بهم إلى درجة أصبحوا فيها وقد تعددت فيهم الأوهام

والخرافات والاعتقادات الباطلة بالشجر والحجر والنجم وعبادات القبور والعكوف

عليها، والاعتقاد بأهلها النفع والضر إلى غير ذلك مما لأهل العراق فيه اليوم

النصيب الأوفر، والحظ الأكبر، رغما عن انتشار العلم فيه، وبقي أهل نجد في

هذه الحالة وليس لهم سوى الحرب والضرب والاعتقاد الضار بالإنسان دينا ودنيا

وأخرى، وليس لهم من الدين الحق إلا الاسم وذلك إلى زمن الشيخ محمد بن عبد

الوهاب.

***

نجد في زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب

نشأ الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في بلدة العينية في حضن والده

عبد الوهاب بن سليمان، فرباه أحسن تربية، ولقنه العلم هو بنفسه، وكان والده

حينئذ قاضيا في بلدة العينية من قبل حاكمها الأمير عبد الله بن محمد بن أحمد

المعمري، ولما كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب كثير المطالعة والتدبر والتفكر

شديد الشوق إلى العلم وطلبه، حدثته نفسه بأن يسير في طلب العلم إلى بلاد أخرى،

فحج ثم سار إلى المدينة فاتصل بالشيخين عبد الله بن إبراهيم مؤلف كتاب

(العذب الفائض في علم الفرائض) والشيخ محمد حياة السندي المدني، فأقام عندهما

مدة ثم رجع إلى نجد، ومن هناك سار إلى البصرة فبغداد وهو في هذه الأثناء

يتزود الكفاية من علم التوحيد والفقه وسائر العلوم، ثم حاول المسير إلى الشام

فمصر، ولكن صده عارض في الطريق، فرجع أدراجه إلى بلاده حاملا من زاد

العلم ما لم يتيسر لأحد غيره في وقته، ثم ذهب لرؤية والده وكان يومئذ في حريملا،

وسبب تحول الوالد إلى هذه البلدة؛ هو أنه في غياب الشيخ محمد توفى الله

الأمير عبد الله وخلفه في الإمارة ابنه محمد فعزل والد الشيخ عبد الوهاب بن

سليمان عن القضاء، وأقام مكانه أحمد بن عبد الله بن عبد الوهاب ورحل عبد

الوهاب القاضي إلى حريملا، ولما ثبت قدمه عند والده باشر الشيخ تزييف

الخرافات والبدع والأضاليل، وشمر عن ساعده لإبادة الأوهام المضرة بالدين،

وأخذ ينشر الاعتقاد الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

***

هرب الشيخ محمد رحمه الله من بلدة حريملا

كانت حريملا في عهد الشيخ بلدة لا ترجع إلى أمير ولا إلى إمارة، بل كانت

كرة تتقاذفها صوالجة قبيلتين وهما قبيلة العبيد وقبيلة أخرى، فاتفق يوما أن الشيخ

زجر بعض السفهاء من قبيلة العبيد عن ارتكاب بعض المخازي الدالة على سوء

الأخلاق، فعمد هؤلاء إلى إهانته بل إلى قتله، وأرادوا إتمام الأمر بالفعل، فساروا

إليه ليلا وتسوروا الجدار، وبينما هم في هذا الفعل إذ صاح صائح في المحلة،

فظن هؤلاء المفسدون أن الصياح عليهم، فهربوا وكفاه الله شرهم، ولما أسفر

الصباح ورحل إلى بلدة العينية، وكان محمد الأمير قد توفاه الله وقبض على زمام

الإمارة من بعده عثمان بن حمد بن معمر فتلقاه الأمير عثمان بالتحية والترحاب

والإكرام التام، وهناك أخذ يبث حقائق التوحيد، والأمير عثمان يتعاهده بحفظ

حياته ونصره على أعدائه.

(حكاية الشجرة والقبة) وقد طلب الشيخ من الأمير أن يقطع شجرة كانت

تعبد في البلدة، وأن يهدم قبة زيد بن الخطاب - رضي الله عنه - فتمنع الأمير

وبعد ذلك ألح الشيخ عليه وأقنعه، فأذن له في الآخر، ثم طلب إليه أن يسير هو

أيضا معه، فسار الأمير مع الشيخ ومعهما ستمائة فارس، ولما وصلوا إلى المحل

المطلوب قطعت الشجرة وهدمت القبة، وكانت قرب بلدة الجبيلة فكان ذلك العمل

من أخطر الأعمال التي أتاها الشيخ، فلما فعل الشيخ هذا الفعل الأول اشتهر أمره

ونبه ذكره فبلغ خبره أمير الإحساء سليمان بن محمد وكان ذا قوة وبأس شديد،

فبعث إلى عثمان بن حمد بن معمر يتهدده بقطع رواتبه عنه والسير إليه إن لم يطرد

الشيخ من بلاده، فأذن حينئذ الشيخ عثمان للشيخ محمد بن عبد الوهاب أن يسافر

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٧٩