تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من الحيل المعروفة لهم، وأنا لا أطلي جلدي بشيء، فإذا اغتسلت أنا وهم بالخل

والماء الحار بطلت الحيلة وظهر الحق، فاستعظم الأمير هجومي على النار، وقال:

أتفعل ذلك؟ فقلت له: نعم قد استخرت الله في ذلك، وألقي في قلبي أن أفعله،

ونحن لا نرى هذا وأمثاله ابتداء، فإن خوارق العادات إنما تكون لأمة محمد صلى

الله عليه وسلم المتبعين له باطنا وظاهرا لحجة أو حاجة، فالحجة لإقامة دين الله،

والحاجة لما لا بد منه من النصر والرزق الذي به يقوم دين الله، وهؤلاء إذا

أظهروا ما يسمونه إشاراتهم وبراهينهم التي يزعمون أنها تبطل دين الله وشرعه،

وجب علينا أن ننصر الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، ونقوم في نصر دين

الله وشريعته بما نقدر عليه من أرواحنا وجسومنا وأموالنا، فلنا حينئذ أن نعارض

ما يظهرونه من هذه المخاريق بما يؤيدنا الله به من الآيات.

وليعلم أن هذا مثل معارضة موسى للسحرة لما أظهروا سحرهم، أيد الله

موسى بالعصا التي ابتلعت سحرهم، فجعل الأمير يخاطب من حضره من الأمراء

على السماط بذلك، وفرح بذلك وكأنهم كانوا قد أوهموه أن هؤلاء لهم حال لا يقدر

أحد على رده، وسمعته يخاطب الأمير الكبير الذي قدم من مصر الحاج بهادر،

وأنا جالس بينهما على رأس السماط بالتركي ما فهمته منه أنه قال: اليوم نرى

حربا عظيما، ولعل ذاك كان جوابا لمن كان خاطبه فيهم على ما قيل.

وحضر شيوخهم الأكابر فجعلوا يطلبون من الأمير الإصلاح وإطفاء هذه

القضية ويترفقون، فقال الأمير: إنما يكون الصلح بعد ظهور الحق، وقمنا إلى

مقعد الأمير بزاوية القصر أنا وهو وبهادر فسمعته يذكر له أيوب الحمال بمصر

والمولهين ونحو ذلك فدل ذلك على أنه كان عند هذا الأمير لهم صورة معظمة،

وأن له فيهم ظنا حسنا والله أعلم بحقيقة الحال فإنه ذكر لي ذلك.

وكان الأمير أحب أن يشهد بهادر هذه الواقعة ليتبين له الحق، فإنه من

أكابر الأمراء وأقدمهم وأعظمهم حرمة عنده، وقد قدم الآن وهو يحب تأليفه

وإكرامه، فأمر ببساط يبسط في الميدان، وقد قدم البطائحية وهم جماعة كثيرون،

وقد أظهروا أحوالهم الشيطانية من الإزباد والإرغاء وحركة الرؤوس والأعضاء،

والطفر والحبو والتقلب، ونحو ذلك من الأصوات المنكرات، والحركات الخارجة

عن العادات، المخالفة لما أمر به لقمان لابنه في قوله: {واقصد في مشيك

واغضض من صوتك} (لقمان: 19) .

فلما جلسنا وقد حضر خلق عظيم من الأمراء والكتاب والعلماء والفقراء

والعامة وغيرهم، وحضر شيخهم الأول المشتكي، وشيخ آخر يسمي نفسه خليفة

سيده أحمد ويركب بعلمين، وهم يسمونه عبد الله الكذاب، ولم أكن أعرف ذلك،

وكان من مدة قد قدم علي منهم شيخ بصورة لطيفة، وأظهر ما جرت به عادتهم من

المسائلة، فأعطيته طلبته، ولم أتفطن لكذبه حتى فارقني، فبقي في نفسي أن هذا

خفي علي تلبيسه إلى أن غاب، وما يكاد يخفى علي تلبيس أحد، بل أدركه في

أول الأمر، فبقي ذلك في نفسي ولم أره قط إلى حين ناظرته، ذكر لي أنه ذاك

الذي كان اجتمع بي قديما، فتعجبت من حسن صنع الله أنه هتكه في أعظم مشهد

يكون حيث كتم تلبيسه بيني وبينه.

فلما حضروا تكلم منهم شيخ يقال له حاتم بكلام مضمونه طلب الصلح،

والعفو عن الماضي والتوبة، وإنا مجيبون إلى ما طلب من ترك هذه الأغلال

وغيرها من البدع ومتبعون للشريعة (فقلت) أما التوبة فمقبولة قال الله تعالى:

﴿غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب﴾ (غافر: 3) هذه إلى جنب هذه، وقال

تعالى: ﴿نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو العذاب الأليم﴾ (الحجر: 49-50) فأخذ شيخهم المشتكي ينتصر للبسهم الأطواق، وذكر أن

وهب بن منبه روى: أنه كان في بني إسرائيل عابد، وأنه جعل في عنقه طوقا في

حكاية من حكايات بني إسرائيل لا تثبت، (فقلت) لهم ليس لنا أن نتعبد في ديننا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٧٢