حتى ولو على الورق فألغيت ميزتها!) .
فإذا أراد الطالب أن يلتمس طريقا مما ضمنه القانون لإحدى هذه الشهادات بعد
حصوله عليها رغبة في حفظ أوده وجد الأبواب موصدة دونه , ويسوءنا أن كثيرا
من حملة العالمية لا يجدون مرتزقا يقيهم ذل الحاجة، حتى وزارة الأوقاف التي هم
أشد الناس صلة بها لا تقبل أحدا منهم في وظائفها الكتابية , وكانت نتيجة هذه
المعاملة الشديدة أن كثيرا من العلماء قدموا أنفسهم إلى مجالس المديريات للتدريس
في مدارسها , فرفضت وسرت هذه الدعوى إلى المدارس الأهلية فاشتد الداء،
وثقلت وطأته على هؤلاء الذين قضوا حياتهم في خدمة العلم , وذلك ما يسيل
النفوس أسفا على كرامة العلم والدين.
ليس في وسع العالم الديني أن يتناول عملا دنيئا حرصا على شرفه , كما أنه
لم يلق من عناية أولي الأمر به ما يجعله كغيره من الطوائف المتعلمة سعيدا أو على
الأقل مطمئنا على مستقبله، فبقي أن نسأل ولاة الأمور عن مصيره؟
الحق أنه شيء كبير أن يترك هؤلاء العلماء لعويلهم من ثقل البؤس في هذا
العصر مع أنهم في كل العصور كانوا موطن الاحترام والرعاية، ولسنا نطلب إلا
ما رضي به ولاة الأمر ووضعوه من تلقاء أنفسهم في (قانون) , يجب أن يكون
نافذا وأن لا يكون حبرا على ورق , وإذا طلبنا ذلك بالنسبة لحاملي العالمية فنطلبه
أيضا بالنسبة إلى حملة الثانوية والابتدائية , فقد يحدث كثيرا أن يتخلف الطالب من
الدراسة بعد نيله إحدى هاتين , فليس من العدل ان يحرم ثمرة عمله والقانون
صريح في حفظ حقه.
(وبعد) فالطريق الطبيعي في التعليم أن يوجد للطلبة ضوء من الأمل يكون
منيرا لهممهم مشجعا لهم , وإلا انصرفوا عنه وعافوه , وذلك ما لا يصح أن يكون
وخصوصا في المعاهد الدينية.
(المطلب الخامس) إقرار مشروع التعليم الديني في المدارس , وهو الذي
وافقت عليه وزارة المعارف في إحدى الوزارات السابقة حيث إن تنفيذه ضروري
لصالح الأمة، وإسناد القيام به إلى خريجي الأزهر خاصة.
كان الدين ولا يزال مبعث سعادة الأمة ومصدر مجدها فهو حافظ شخصيتها،
ومظهر آدابها , وهو المحور الذي تجتمع عنده القلوب وتتحد النزعات والآمال ,
فأيما أمة أقامت للدين وزنه، وعرفت خطره، كان لها ما تشاء من عزة وسلطان،
وعلى العكس من ذلك أمة تنبذ أحكامه ظهريا.
وإنه لمن المحزن أن تخلو مدارسنا المصرية من تعليم الدين ونشر آدابه
السامية , ولا ندري ما الذي وصل بمدارسنا إلى هذا الحضيض مع أنه يدرس
(بين) جدرانها كثير من العلوم قد لا يكون بعضها ضروريا، فالحق أنه يجب وضع
حد لهذه الحالة المملة , إذ لو استمرت لأصبح الدين وقد تقلص ظله , وضعفت
شوكته. وإن الأزهر الذي في عنقه أمانة الإرشاد والمحافظة على الدين لا يمكن أن
يجمد بإزاء ذلك , بل يطلب ويلح في الطلب بأن يعنى بالدين العناية الكافية فتذاع
آدابه وتعاليمه الجليلة في نفوس أبناء الأمة , حتى لا يطغى على أفكارهم اللدنة
سيل الأباطيل؛ فيخرجوا على دينهم كما هو شأن المتعلمين اليوم، فإن كثيرا منهم
قد استهواه التقليد الأعمى فنبذ دينه، وذلك ضرر لا يصح السكوت عليه بل يجب
العمل على استئصال شأفته، ولن يكون ذلك بغير الدين , ولا يضر وزارة المعارف
أن يتلقى التلاميذ بجانب ما يتلقونه - مما ينفع ولا ينفع - هذا العنصر الضروري
لحياة الأفراد والأمم , وإذا قال الأزهر ذلك فهو يتكلم بلسان آباء التلاميذ وأولياء
أمورهم الذين يسرهم أن يكون أبناؤهم راشدين دينين، لا ملاحدة مارقين , ومما
يمكن أن يعتبر دلالة على وجوب تنفيذ هذا المطلب أنه كاد (يبلغ) تمامه في عهد
إحدى الوزارات السابقة بعد أن نبهها إليه أحد [2] علماء الأزهر الأعلام، على أنه
لا يمكن أن يؤدى الأمر على وجهه الصالح إلا إذا جعل تعليم الدين أساسيا , وأسند
تعليمه من الآن إلى المتضلعين منه الواقفين على أسراره فهم وحدهم البصيرون