تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الواقع، يهجم على المسائل التي يكاد يعرف منها شيئا كأنه قتلها علما، ولا يتوب

بعد أن يكون ظهر خطؤه في قضية أن يتوخى المكابرة في قضية أخرى ومن الأول

إلى الآخر قصارى كلامه (عنزة ولو طارت) .

فمن العبث أن تقول له: إن الناس لا تقدر أن تعيش بلا دين , وإنه لم يعهد

إلى اليوم أن شعبا عاش بدون دين , وإن أوربا باقية على نصرانيتها، وإن التعليم

المسيحي لا يزال يعلم في أرقى المدارس والكليات في أرقى الممالك من شمالي أوربا

مثل إنكلترة والدانمارك وهولندة والسويد وألمانية، وإنهم يعلمون كون المسيح

هو ابن الله إلى هذه الساعة، وإنهم لا يريدون أن يعرفوا أنفسهم إلا مسيحيين.

ومن العبث أن تقول له: إنه حيث كان الدين لازما للشعوب فهو في نفسه قوة

عظيمة لا تقدر حكومات هذه الشعوب أن تتعرض لها بمهانة أو بجهالة حتى لا

يصيبها من أجل ذلك ضرر، وتحصل هزاهز وفتن، وإنه ليس من باب خلط

الدين بالسياسة أن يلجأ رجال السياسة إلى الدين، إما في تهذيب الأخلاق أو في

السعي لتوهين روح الإجرام والدعارة، أو في النضال عن استقلال الأمة، أو في

تقوية الروابط مع أمم أخرى , والاستفادة من تلك الروابط المؤثرة والعوامل الراهنة

التي ليس إنكارها إلا محض حماقة.

ومن العبث أن تقول له: إن أوربة الراقية لم تهمل أيضا هذه الروابط ولا

استخفت بها ولا وجدتها بدعة في السياسة، وإن ملك إنكلترة الراقية العظيمة بل

العظمى هو في وقت واحد ملك الإنكليز ورئيس الكنيسة الإنكليكانية، وإن

إمبراطور ألمانية هو رئيس الكنيسة اللوثيرية، وإن إمبراطور النمسة كان على

رأس مملكة راقية جدا , وكان يخاطب ب (ذي الجلالة الرسولية) إشعارا بصفته

الدينية، وإن المستر غلادستون رئيس نظارة إنكلترة وهامة حزب الأحرار كان

قسيسا , ومن أشد الخلق تدينا لا بل تعصبا، وإن دولة فرنسة التي يقال: إنها لا

دينية تنعت نفسها (بحامية النصارى) في المشرق , وإن غمبتا ركن الجمهورية

والسياسة اللادينية كان قد قال تلك الجملة التي ذهبت مثلا: (عداوة رجال الدين

ليست من بضائع التصدير) وإنه إن لم يكن الدين رابطة فأية رابطة بين فرنسة

والموارنة وهم ليسوا بلاتين ولا بأوربيين , بل هم آراميون ساميون أبناء عم

العرب وبالتالي فأقرب إلى المسلمين مما هم إلى الفرنسيين من جهة الدم , عبثا

تقول له ذلك؛ لأنه يجاوبك بل كل هذا غير صحيح , وأوربا تركت الدين.

وكذلك من العبث أن تقول له:إن الأوربيين الذين تقول: إنهم نبذوا الدعوة

الدينية لا يزالون يذكرون الحروب الصليبية , ويتكلمون في عداوة الإسلام أفلا تقرأ

ما يرددونه كل يوم من توحيد الجبهة بإزاء المسلمين من الريف إلى الهند؟ أفلم

تسمع بمساعي شامبرلين الأخيرة في باريس ورومية؟ أفما قرأت ماذا كانوا

يكتبونه عند سقوط القدس في يد الإنكليز أثناء الحرب العامة من كون ذلك هو

الصفحة الأخيرة من الحروب الصليبية؟ أفما اطلعت على أخبار الحفلات الدينية

التي أقيمت في ذلك الوقت؟ أفما سمعت خطبة المارشال أللنبي نفسه على تتمة

الحرب الصليبية على يده؟ أفما عرفت أن الجنرال غورو نفسه كان لأول وصوله

إلى بيروت وعند الاحتفال بقراءة أمر تعيينه ألقى خطبة أشار فيها إلى الحرب

الصليبية , وقال: إن بداية علاقات فرنسة بسورية هي من أيام الحرب الصليبية؟

أفما عرفت أن الذي عين غورو على سورية هو نفس كليمنصو الذي هو عدو للدين

المسيحي ولكنه ليس بعدو للسياسة التي قد ينفعها الدين المسيحي؟ أفما علمت أن

سبب صرف (ويغان) وهو كاثوليكي أيضا وإرسال سرايل [1] مكانه هو لكون

الوزارة الحاضرة علمت أن عدم نجاح فرنسة في سورية ناشئ عن أسباب عديدة

من أهمها: اعتقاد المسلمين أن فرنسة لا تزال تابعة هناك سياسة دينية لهم عليها

دلائل كثيرة من مثل بناء الكنائس بأمر السلطة المحتلة في بلدة درعا , والاحتفال

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٢٠