حشوهن عقيق، لأنه إذ ذاك مشبه لنبات غض يرف [36] ، وأوراق رطبة ترى
الماء منها يشف [37] ، بلهب نار مستول عليه اليبس، وباد فيه الكلف [38] ومبني
الطباع وموضوع الجبلة، على أن الشيء إذا ظهر من مكان لم يعهد ظهوره منه،
وخرج من موضع ليس بمعدن له، كانت صبابة النفوس به أكثر، وكان بالشغف
منها أجدر، فسواء في إثارة التعجب، وإخراجك إلى روعة [39] المستغرب،
وجودك الشيء في مكان ليس من أمكنته، ووجود شيء لم يوجد ولم يعرف من
أصله في ذاته وصفته، ولو أنه شبه البنفسج ببعض النبات، أو صادف له شبها في
شيء من المتلونات، لم تجد له هذه الغرابة، ولم ينل من الحسن هذا الحظ.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) الشأو: السبق والغاية والأمد. وقوله: أجد: أي أعظم، والألد الشديد الخصومة.
(2) السخائم: الضغائن، وسلها نزعها واستخراجها، وغرب السيف حده، وفعل السيف ثلمه، والنفث في العقد هو النفخ فيها مع إلقاء شيء من الريق عليها؛ لأجل تسهيل حلها، ومنه نفث الراقي في العقدة التي يعقدها، ثم يحلها يوهم بذلك الناس أنه أبرم بعقدها رابطة المحبة بين فلان وفلانة، وبحلها أنه حل ذلك العقد وأبطل ذلك الارتباط بسحره، وإن الكلام البليغ ليفعل بحسن التمثيل في حل عقد العقود مالا يفعل السحر، وإن من البيان لسحرا.
(3) الغياية بيائين مثناتين كل ما أظلك من فوق رأسك، وقد ذكرنا لكل نوع مما ذكره المصنف من أنواع الكلام أمثلة من القرآن المجيد ومن كلام البشر.
(4) يشير المصنف إلى سائر مناحي الكلام: كالغزل، والرثاء، والوصف، والشكوى، وهي مع الذي ذكره وشائج متشابكة، وأمشاج متمازجة وأعمها الوصف، فهو الطويل الذيل، المتدفق السيل، ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى: [ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين] (فصلت: 11) ، ومثله قوله تعالى: [وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي] (هود: 44) الآية، ومنها قوله تعالى: [ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء * تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها] (إبراهيم: 24-25) وقوله بعده: [ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار] (إبراهيم: 26) ، وهكذا الحق يثبت والباطل يزهق ومن ذلك الرؤى فإنها تمثيل للواقع الذي تعبر عنه: كالرؤى المذكورة في سورة يوسف عليه السلام، ومثاله من الشعر قول ابن النبيه:
والليل تجري الدراري في مجرته ... كالروض تطفو على نهر أزاهره
وقول بعضهم في وصف الكأس يعلوها الحباب والساقي (أو هذا من تعدد التشبيه) :
وكأنها وكأن حامل كأسها ... إذ قام يجلوها على الندماء
شمس الضحى رقصت فنقط وجهها ... بدر الدجى بكواكب الجوزاء
وفي وصف الأمير والجيش:
يهز الجيش حولك جانبيه ... كما نقضت جناحيها العقاب
ومنه قولنا في المقصورة في وصف الوفاق:
لم نختلف في مبتدا مسألة ... إلا وكان للوفاق المنتهى
كمن على المحيط من دائرة ... أنى تفارقا فبعد ملتقى
وقولنا منها في وصف روضة:
والشمس تبدو من خلال دوحها ... آونة تخفى وطورا تجتلى
كغادة وضاحة قد أتلعت ... من خلل السجوف ترنو والكوى
تلقي على الروض نثير عسجد ... فتحسب الروض عروسا تجتلى
وقولنا منها:
والباسقات رفعت أكفها ... تستنزل الغيث وتطلب الندى
ثبت في العلوم الطبيعية أن الأشجار تكون سببا لنزول المطر، فمثلت هنا بحال المستسقين يجاب دعاؤهم ويليه قولنا:
يمتلج الكربون من ضرع الهوا ... تؤثرنا بالأكسجين المنتقى
ومعناه أن الأشجار الباسقة ترضع غاز الكربون وتمتصه من الهواء، تتغذي به وهو سام، لنا وتترك لنا أكسجين الهواء المطهر كالدم في أبداننا باستنشاقنا له في الهواء، فمثلت بحال حي عاقل ينتزع ما يضر الناس، ويؤثرهم بما ينفعهم وقول ابن دريد في وصف النوق: