تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التحريك للنفس، والذي يجب بها من تمكن المعنى في القلب، إذا كانت مستفادة من

العيان، ومتصرفة حيث تتصرف العينان، وإلا فلا حاجة بنا في أن الماء والنار لا

يجتمعان، إلى ما يؤكده من رجوع إلى مشاهدة، واستيثاق بتجربة.

ومما يدلك على أن التمثيل بالمشاهدة يزيد أنسا وإن لم يكن بك حاجة إلى

تصحيح المعنى، أو بيان لمقدار المبالغة فيه؛ أنك قد تعبر عن المعنى بالعبارة التي

تؤديه، وتبالغ وتجتهد حتى لا تدع في النفوس منزعا نحو أن تقول وأنت تصف

اليوم بالطول: يوم كأطول ما يتوهم وكأنه لا آخر له. وما شاكل ذلك من نحو

قوله:

في ليل صول تناهى العرض والطول ... كأنما ليله بالحشر موصول [24]

فلا تجد له من الأنس ما تجده لقوله:

ويوم كظل الرمح قصر طوله [25] ...

على أن عبارتك الأولى أشد وأقوى في المبالغة من هذا، فظل الرمح على كل

حال متناه، تدرك العين نهايته، وأنت قد أخبرت عن اليوم بأنه كأنه لا آخر له،

وكذلك تقول: يوم كأقصر ما يتصور وكأنه ساعة وكلمح البصر، و (كلا ولا) ،

فتجد هذا مع كونه تمثيلا لا يؤنسك إيناس قولهم: أيام كإبراهيم القطا [26] ، وقول

ابن المعتز:

بدلت من يوم كظل حصاة ... ليلا كظل الرمح غير موات [27]

وقول آخر:

ظللنا عند باب أبي نعيم ... بيوم مثل سالفة الذباب [28]

وكذا نقول: فلان إذا هم بالشيء لم يزل ذاك عن ذكره وقلبه، وقصر

خواطره على إمضاء عزمه، ولم يشغله شيء عنه، فتحتاط للمعنى بأبلغ ما يمكن،

ثم لا ترى في نفسك له هزة، ولا تصادف لما تسمعه أريحية، وإنما تسمع حديثا

ساذجا وخبرا غفلا [29] حتى إذا قلت:

إذا هم ألقى بين عينيه عزمه [30] ...

امتلأت نفسك سرورا وأدركتك طربة - كما يقول القاضي أبو الحسن - لا

تملك دفعها عنك، ولا تقل: إن ذلك لمكان الإيجاز، فإنه وإن كان يوجب شيئا منه

فليس الأصل له، بل لأن أراك العزم واقفا [31] بين العينين، وفتح إلى مكان

المعقول من قلبك بابا من العين.

وههنا إذا تأملنا - مذهب آخر في بيان السبب الموجب؛ لذلك هو ألطف

مأخذا، وأمكن في التحقيق، وأولى بأن يحيط بأطراف الباب، وهو أن لتصور

الشبه من الشيء في غير جنسه وشكله، والتقاط ذلك له من غير محلته، واجتلابه

إليه من النيق البعيد [32] بابا آخر من الظرف واللطف، ومذهبا من مذاهب

الإحسان لا يخفى موضعه من العقل. وأحضر شاهدا لك على هذا أن تنظر

إلى تشبيه المشاهدات بعضها ببعض، فإن التشبيهات سواء كانت عامية مشتركة،

أم خاصية مقصورة على قائل دون قائل، تراها لا يقع بها اعتداد، ولا يكون لها

موقع من السامعين، ولا تهز ولا تحرك، حتى يكون الشبه مقررا بين شيئين

مختلفين في الجنس، فتشبيه العين بالنرجس عامي مشترك معروف في أجيال

الناس، صار في جميع العادات، وأنت تنظر إلى بعد ما بين العينين وبينه من

حيث الجنس، وتشبيه الثريا بما شبهت به من عنقود الكرم المنور، واللجام

المفضض، والوشاح [33] المفصل، وأشباه ذلك - خاصي، والتباين بين المشبه

والمشبه به في الجنس على ما لا يخفى.

وهكذا إذا استقريت التشبيهات وجدت التباعد بين الشيئين كلما كان أشد،

كانت إلى النفوس أعجب، وكانت النفوس لها أطرب، وكان مكانها إلى أن تحدث

الأريحية أقرب، وذلك أن موضع الاستحسان، ومكان الاستظراف، والمثير للدفين

من الارتياح، والمتألف للنافر من المسرة، والمؤلف لأطراف البهجة، أنك ترى

بها الشيئين مثلين متباينين، ومؤتلفين مختلفين، وترى الصورة الواحدة في السماء

والأرض، وفي خلقة الإنسان وخلال الروض، وهكذا طرائف تنثل عليك إذا

فصلت هذه الجملة، وتتبعت هذه اللمحة [34] ؛ ولذلك تجد تشبيه البنفسج في

قوله [35] :

ولازوردية تزهو بزرقتها ... بين الرياض على حمر اليواقيت

كأنها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت

أغرب وأعجب، وأحق بالولوع وأجدر، من تشبيه النرجس بمداهن در

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ١٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ١٣٧