المترجم لوطنه فيهما، وإنما أقول: إن حزب اللامركزية كان يراد به خدمة الدولة
والبلاد العربية معا، وكان سبب تأسيسه ما ذكر آنفا من سبب تأليف الجمعية
العربية، وهو ما أنذرت الحرب البلقانية العثمانية من توقع زوال الدولة، وقد كنا
نعتقد أن الدولة لا يمكن أن تعيش طويلا إذا أصرت على شكل حكومتها المركزي
وتحكيم الترك في جميع شعوب الدولة، وكان المترجم - رحمه الله تعالى -
حريصا على بقاء الدولة، وكان على هدى وبصيرة في ذلك، وكنا متفقين معا على
هذا الرأي، وعلى أن العرب يحتاجون إلى زمن طويل؛ لترقية أنفسهم وجمع
كلمتهم واستغنائهم عن الدولة إن زالت أو بقيت، وكنا نرى أن الخروج على الدولة
ضار وخطره على العرب أشد من خطره على الترك، ولا أقول: إن كل أعضاء
الحزب كانوا على رأينا، وإنما كانوا متفقين على أن شكل الحكم اللامركزي خير
لبلادنا ولغيرها، وكان لبعضهم أهواء أخرى وشذوذ في الفكر وفي العمل، ولكن
الحزب نفسه لم ينحرف عن قانونه المستقيم.
وأما حزب الاتحاد السوري فأمره أظهر، لأن العهد به أقرب، وكان الفقيد
من المؤسسين له، ولكنه تركه منذ سنين واعتزل السياسة وغيرها من الأعمال،
لأن صحته ساءت، واشتد عليه مرض الربو، وضاعفه تصلب الشرايين فضعف
القلب، حتى أودى ذلك كله بحياته فجأة.
هذا وإننا لم نختلف في كل هذه المدة في مقصد من المقاصد، ولا في مهمات
الوسائل أيضا، إلا ما كان في أيام حرب المدنية الكبرى، فقد اختلفنا في مسائل
مهمة لا يحسن في هذه الترجمة ذكرها، ونحمد الله تعالى أن كان اختلافنا محصورا
في مناقشات جرت بيننا، لم تتجاوزنا إلى غيرنا.
***
آثاره القلمية
(1) إن أجل تآليفه وأعظم آثاره العلمية هو تاريخ (أشهر مشاهير الإسلام)
الذي طار به صيته في الأقطار، وإنما أتم منه أربعة أجزاء، طبعت مرارا
ونفدت نسخها.
(2) وكتاب (السوانح الفكرية في المباحث العلمية) وهو كتاب
اجتماعي أدبي جعله أربعة أقسام: (القسم الأول المدنية ودواعيها، وأسباب تقدمها
أو تلاشيها) ، وفيه 3 أبحاث (القسم الثاني التربية والأخلاق) وفيه 4 أبحاث،
(القسم الثالث الأدبيات) وفيها 4 أبحاث (القسم الرابع مباحث علمية مختلفة)
وفيه 5 أبحاث، خامسها (التفرنج) وقد أطال في ذمه، ووصف ضرره
وشره.
وهذا الكتاب مبيض بخطه في زهاء مائة صفحة من القطع الوسط، وإنما
صده عن طبعه -كما نظن- أنه أثنى في فاتحته على السلطان عبد الحميد، فأطراه
إطراء لم يلبث أن ظهر له أنه مخطئ فيه، بعد أن انخدع كغيره بما كانت تنشره
جميع الجرائد العربية والتركية من مدائحه المنثورة والمنظومة.
ويحسن بي أن أذكر عبارته في ذلك؛ لما فيها من الدلالة اللفظية والمعنوية،
على حال فقيدنا العزيز الفكرية والأدبية، قال:
(وإنني لما رأيت أبناء وطني قد تفتحت منهم الأذهان، وتنبهت بعد الرقدة
والفكر، وسرى سر الحمية في أمثالي من شبان هذا العصر، فأخذوا يتتبعون
أشتات العلوم والمعارف، ويتفيئون تحت ظلها الوارف، بوجود من لا تكل عن
الثناء عليه ألسنة رعيته، وقد اتحدت القلوب تحت راية عدله وشوكته، السلطان
ابن السلطان، السلطان الغازي عبد الحميد، المحفوف من الله بالعز والتأييد، فقد
أحببت إتحافهم بكتاب يروق في عين كل لبيب، ويحتاج إليه كل أديب أريب،
وشحت بفرائد الفوائد طروسه، وأبرزت في دست الكمال عروسه، ليكون بهجة
للناظرين، ولذة للسامعين) .
وإنني لم أر له - رحمه الله - أسجاعا كهذه في غير هذا الكتاب الذي كان من
أول ما كتب، وأول ما ألف على ما أعلم، بيد أنه لم يلتزم السجع إلا في خطبته
فقط، وهو لا يخلو من لحن فيما هو من ضروريات علم النحو، وهاك أسماء بقية
آثاره القلمية التامة:
(3) (كتاب الدروس الحكمية للناشئة الإسلامية) وكفاه تقريظا له أن
الأستاذ الإمام قرر تدريسه في مدارس الجمعية الخيرية الإسلامية.