العثمانية) استغنينا بها عن المنشورات، وكان الفقيد يحرر القسم العربي منها،
وحقي بك يحرر القسم التركي إما إنشاء وإما ترجمة لما يكتبه الفقيد أو غيره منها
بالعربية، وقلما كنا نساعدهما على ذلك، وكان ينشر فيها بعض المقالات باللغة
الفرنسية أيضا.
وبلغ من عناية جمعية الاتحاد والترقي بالجمعية فوق ما كان من التعاون
والمراسلة بينهما من أوربة ومن المركز العام في سلانيك أن أحمد رضا بك الشهير
جاء من باريس إلى مصر لأجل السعي لتوحيد الجمعيتين، وقد قصد الفقيد أولا
وكلمه في ذلك، فجاء به إلي، فلما كلمني قلت له: إن جمعيتكم تركية وجمعيتنا
عثمانية عامة، فنحن لا نتفق معكم إلا في مقاومة الاستبداد والظلم والسعي لجعل
الحكم بالشورى النيابية، قال: ونحن جمعيتنا عثمانية لا يميز قانونها التركي على
غيره، قلت: هي عثمانية بالقانون تركية بالفعل، فليس في زعمائها أحد من غير
الترك، فقانونها كقوانين السلطان عبد الحميد ولو كان السلطان عبد الحميد ينفذ
قوانين الدولة على علاتها لما أبحت لنفسي ولا لغيري أن يسعى لتغيير شكل
الحكومة أو يقاوم نفوذه فيها.. . ثم اتفقنا على أن تعمل الجمعيتان بالتعاون مع بقاء
كل جمعية على حالها.
ثم إن جمعية الاتحاد والترقي عادت بعد إعلان الدستور، فكتبت إلى جمعيتنا
من المركز العام تدعوها إلى الحلول فيها والاتحاد بها، فاشترطنا في ذلك شروطا لم
تقبلها، ولكن الفقيد وحقي بك دخلا في جمعيتهم عند زيارتهما للآستانة بعد الدستور،
وتفرق سائر الأعضاء الذين لم يجمعهم في مصر إلا الاضطهاد، فلم يبق لجمعية
الشورى عمل.
أطلت بعض الإطالة في ذكر هذه الجمعية؛ لأن عمل الفقيد فيها كان عظيما،
وقد أنفق من ماله في سبيلها ما لم ينفقه غيره، ولولا اغتراره بجمعية الاتحاد
والترقي لرضي بما ارتأيته من إبقاء فروع الجمعية وتكثيرها في البلاد العربية؛
لتكون قوة للعرب أمام تعصب الاتحاديين للترك، ولكنه قال لي بعد عودته من
الآستانة: إني عدت إلى جمعيتي الأصلية، وأن بقاء جمعيتنا تفريق غير جائز،
على أنه عاد من الآستانة غير راض عن سير الاتحاديين رضاء تاما، ثم صار
يشاهد آنا بعد آن من تعصبهم على العرب وهضمهم لحقوقهم ما حاول إن يتلافاه
بطرق الإقناع، فألف في ذلك رسالة طويلة يئس من فائدتها قبل أن يتمها، فلم
ينشرها وسيأتي الكلام عليها عند ذكر مؤلفاته وآثاره.
وكان آخر الجمعيات السرية التي اشتركنا في تأسيسها جمعية عربية أسست
للتأليف بين أمراء جزيرة العرب وللتعاون والاتفاق بين الجمعيات السياسية التي
أنشئت في الولايات العربية وفي الآستانة؛ لمقاومة تعصب الاتحاديين وضغطهم
على العرب، ولحفظ حقوق العرب في الدولة والعمل لمستقبلهم.
كان تأسيس هذه الجمعية ضروريا؛ لأن آفة العرب المفسدة لجميع مواهبهم
الفطرية هي التفرق والاختلاف، وكان الملجئ إليها انكسار الدولة العثمانية في
حرب البلقان، والخوف على البلاد العربية أن تتخطفها الدول المستعمرة، فرأى
المؤسسون أن قوة العرب في جزيرتهم، وأنها لا يمكن الانتفاع بها، إلا بتأسيس
اتحاد حلفي يجمع بين أمرائها، وكان قد سبق لهذا تمهيد من بعض المؤسسين، ثم
وضع له النظام الذي يرجى تنفيذه، وأما الجمعيات العربية فكانت مختلفة المقاصد،
وليس بينها من التعارف والاستعداد للاتحاد عند الحاجة ما يؤمن معه سوء المغبة،
ويرجى به حسن العاقبة، فوضعت الجمعية نظاما لذلك، ولم يقنع المترجم
بضرورة هذه الجمعية إلا بعد أن رأى من انكسار الدولة في حرب البلقان ما أقنعه
بأنه ليس لها من القوة الذاتية ما يضمن بقاءها، وأنها عرضة للزوال فجأة إذا
صدمتها صدمة أخرى.
***
الأحزاب الجهرية
وأما التي اشتركنا فيها فهي حزب اللامركزية، وكان الفقيد رئيسا له،
وحزب الاتحاد السوري وأمرهما معروف للجمهور، فلا حاجة إلى شرح خدمة