تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تبدو من فيه إلى وقت ذلك الحديث. فأين فقد هذه الثقة بالعثمانيين المسيحيين في

مصر؟ هل طرد أحد من خدمة الحكومة؛ لأنه مسيحي عثماني؟ هل حرم أحد حق

المحاماة، أو إنشاء الجرائد، أو المطابع، أو إقامة المصانع، أو تأسيس البيوت

التجارية؛ لأنه مسيحي عثماني؟ فليأت صاحبنا بشاهد واحد.

أما حالهم مع الأوربيين، فإنا نراهم إذا أحسوا بعدل من إنكليزي ذكروه، أو

وصل إليهم معروف من أي عامل أوربي شكروه، بل أزيدك على هذا أن المستغيث

منهم بالحكومة، يطلب منها أن يتولى تحقيق مظلمته إنكليزي، كما شوهد ذلك كثيرا

في شكاياتهم، وليس بقليل من يعرض شكواه على جناب اللورد كرومر، وهو ليس

بحاكم رسمي. فأي دليل على الثقة أكبر من هذا.

ليس بقليل فى مصر من يثق بالفرنساويين ومن له بينهم أصدقاء يركن إليهم

ويعتد بولائهم، ومسيو هانوتو وصاحب الجريدة يعرفان ذلك.

كثيرا ما أغرى الأوربيون من فرنساويين وأمريكيين من أرباب المدارس في

مصر شبانا من المسلمين بالمروق من دينهم؛ والدخول في الديانة المسيحية، وفروا

ببعضهم من القطر المصري إلى البلاد الأجنبية؛ وأحرقوا كبد والديه، ومع ذلك لا

نزال نرى المسلمين يرسلون أولادهم إلى مدارسهم، وناظر المعارف عندنا وزير

مسلم وأولاده يتربون في مدارس الجزويت، وكثير من أبناء الأعيان في مدارس

الفرير، فأي ائتمان يفوق هذا الائتمان.

زادت ثقة المصريين من المسلمين بالأوربيين؛ خصوصا في المعاملات،

حتى أساء أولئك الأوربيون استعمالها، وانتهزوا فرصتها، وسلبوا كثيرا من أهل

الثروة ما كان بأيديهم، ومع ذلك فهم لا يزالون يأمنونهم، ويغالون في الاستنامة

إليهم، ويقلدونهم فيما يخالف دينهم وعوائدهم، فماذا يطلب من الثقة فوق هذا؟ !

هل يشكو عقلاء المسلمين في مصر من شيء مثل ما يشكون من الثقة

العمياء بالأجنبي من غير تمييز فيما هو عليه، من إخلاص أو غش، من صدق أو

كذب، من أمانة أو خيانة، من قناعة أو طمع، حتى آل الأمر بالناس إلى ما آلوا

إليه من خسارة المال وسوء الحال، فهل هذا هو فقد الثقة بالأوربيين والعثمانيين

المسيحيين؛ الذي يعنيه حضرة صاحب الجريدة وجناب موسيو هانوتو؟

وأما العثمانيون من غير المصريين، فإذا ارتقينا إلى الدولة وسلطانها - أيده

الله - وجدنا أن نظام الدولة قاض باستعمال المسيحيين في إدارتها ومحاكمها في

كل بلد فيه مسيحيون، والمأمورون من المسيحيين ينالون من النياشين والرتب ما

يناله المسلمون على نسبة عددهم أو فوق ذلك، وكثير من المسيحيين نالوا من

الامتيازات والمنافع في الدولة ما لم ينله مسلم، وسفارات الدولة ومناصبها العالية لا

تخلو من المسيحيين.

إقبال السلطان على رؤساء الطوائف المسيحية، وإنعامه عليهم بوسامات

الشرف، واختصاصه لبعضهم بشرف المثول في حضرته، والإحسان إليه برقيق

المخاطبة، لا ينقطع ذكره من الجرائد، صاحب الجريدة التي نقلت الحديث أمثل

شاهد على مثل ذلك، فقد جاهر زمنا ليس بالقصير بما لا ترضى الدولة بمثله ولا

بأقل منه من مسلم، ثم سهل عليه وهو مسيحي؛ أن يكون موضع ثقة للجانب

السلطانى، حتى أدناه منه وقبله فى مجلسه، وسمع منه أمير المؤمنين تلك النصيحة

المفيدة التي نشرها في جريدته من نحو شهرين، إثر هبوبه لنصرة مسيو هانوتو،

ثم والى عليه إحسانه بالرتب والنياشين وغيرها، فما هي الثقة إن كان هذا فقدها.

أما سياسة الدولة الخارجية: فالفرنساويون يشكون من مصافاة السلطان؛

وثقته بدولة ألمانيا وهي دولة مسيحية، ولا أظنهم يشكون من ثقة أخرى لدولة

إسلامية، وكانت للدولة ثقة لا تتزعزع بالسياسة الإنكليزية، ثم حدثت حوادث

أهمها نشأ من ضعف سياسة موسيو غلادستون، فأعقبها اضطراب في تلك الثقة مدة من الزمان بحكم الضرورة، ثم إنا نراها اليوم تتراجع، وفي رجال

الدولة من لهم ثقة بصداقة روسيا، ويودون لو مالت إليها سياسة الدولة وهم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٨٦