ولا دخل لشيء من ذلك في الدين، فالسلطة المدنية هي صاحبة الكلمة الأولى، كما
يطلب مسيو هانوتو. ولكن مع ذلك لم يظهر نفعها في صلاح حال المسلمين، بل
كان الأمر معكوسا، فإن أمراءنا السابقين لو اعتبروا أنفسهم أمراء الدين، لما
استطاعوا المجاهرة بمخالفته في ارتكاب المظالم، والمغالاة في وضع المغارم،
والمبالغة في التبذير الذي جر الويل على بلاد المسلمين، وأعدمها أعز شيء كان
لديها وهو الاستقلال.
إن فرنسا تسمي نفسها حامية الكاثوليك في الشرق، وملكة إنكلترا تلقب بملكة
البروتستانت، وإمبراطور الروسيا ملك ورئيس كنيسة معا، فلم لا يسمح للسلطان
عبد الحميد أن يلقب بخليفة المسلمين، أو أمير المؤمنين.
لا أظن أن مسيو هانوتو، يسيء الظن بدعوة دينية على الوجه الذي بيناه،
وأظنه يكون عونا للمسلمين على تعضيدها في البلاد الإسلامية الفرنساوية، إذا وجد
فيها من يقوم بها، وأنا أضمن له بعد ذلك أن تتفق مصالح المسلمين مع مصالح
الفرنساويين، فإن المسلمين إذا تهذبت أخلاقهم بالدين سابقوا الأوربيين في
اكتساب العلوم، وتحصيل المعارف، ولحقوا بهم في التمدن، وعند ذلك يسهل
الاتفاق معهم إن شاء الله.
سوء ظن المسلمين بسياسة أوربا كلها، وعدم ثقة سياسييهم بدولة من الدول،
واعتقاد المسلمين بأن مصلحة أوربا المسيحية تخالف مصلحتهم الإسلامية،
وعدم اطمئنانهم إلى سياسة الدول المسيحية، حتى أدى بهم فقدان الثقة بالمسيحيين،
إلى أن لا يأتمنوا مسيحيا عثمانيا ولو أخلص لهم الخدمة، وصدق معهم، سمع
بذلك كله موسيو هانوتو من صاحب الجريدة المعروفة؛ ومن بعض العثمانيين في
الآستانة وباريس؛ ثم أخذ يبرهن على أن سياسة أوربا اقتصادية ملكية، لا دينية
لاهوتية.
لا أدري من هم المسلمون الذين وصفهم موسيو هانوتو، ومن أبلغه أخبارهم،
أهم الهنود؟ وهم في حكم دولة أجنبية، ولا نزال نرى في خطبهم وجرائدهم ما يدل
على طاعتهم لحكامهم، وتعليقهم الآمال بعدلهم، والتماسهم الحق من طرقه.
هل هم مسلمو روسيا؟ وثقتهم بحكومتهم وثقة حكومتهم بهم لا تخفى على أحد
حتى إن الدولة الروسية تفضلهم على المسيحيين من غير المذهب الأرثوذكسي.
هل هم الأفغانيون؟ وإخلاص أميرهم في مصافاة الإنكليز أشهر من أن يذكر،
ولا ينفي إخلاصه حرصه على بلاده ومحافظته على مصلحتها.
هل هم الفرس؟ واستنامتهم إلى السياسية الروسية لا يجهلها أحد؟
هل هم المراكشيون، وهم بمعزل عن كل ما يسمى سياسة، بل هم في غفلة
عن الدين والدنيا جميعا، شغل بعضهم ببعض، فلا ينفكون يتقاتلون ويتسالبون،
حتى يقضي الله فيهم بقضائه.
هل هم التونسيون؟ وقد أثنى عليهم موسيو هانوتو بما هم أهله، وثبت له
ارتياحهم إلى السلطة الفرنساوية؛ لمجرد ما أطلقت لهم الحرية في دينهم.
لعله لم يقصد إلا العثمانيين كما يدل عليه بقية كلامه، وكما يفيده قوله: أن لا
يأتمنوا مسيحيا عثمانيا، والعثمانيون منهم المصريون ومنهم غيرهم. فأما
المصريون فلا شيء عندهم يدل على عدم الثقة بالأوربيين وبالمسيحيين العثمانيين
فإنهم يشاركون في العمل مواطنيهم من الأقباط في جميع مصالح الحكومة، ما عدا
المحاكم الشرعية الخاصة بالمسلمين، وهم معهم على غاية الوفاق، خصوصا أهل
الإخلاص وسلامة النية منهم، ولكل من الفريقين أصدقاء وأحبة في الفريق الآخر،
ثم شأنهم هو ذلك الشأن مع سائر الطوائف المسيحية، إلا من ظهر منهم بالتعصب
البارد للدين، وآذاهم في دينهم أو فى منافعهم الخاصة بهم؛ لا لشي سوى التعصب
الأعمى، ولا نطلب على ذلك شاهدا أقرب من صاحب الجريدة الذي يحادثه موسيو
هانوتو؛ إنه بعد أن كان على المسلمين أثناء الحرب الروسية العثمانية، وبعد أن
أتى ما أتى عقب الحوادث العرابية، شهد له المسلمون بأنه صديقهم والساعي في
خيرهم، كما افتخر بذلك مرارا فى جريدتة، وإن كانت له إليهم هنات لا تزال