تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سكنت هذه الفتن، أحس عمر الفاروق بضرورة جمع القرآن في كتاب واحد؛ على

مشهد من جميع الصحابة وملأ من الحفظة والكتبة، ولما استقر رأي أبي بكر وعمر

على ذلك، أحضرا زيد بن ثابت، وأبديا له ما عزماه. واستعظم زيد ذلك أولا،

واستسهل نقل الجبل، شأن كل مقتدر على عظام الأمور، يقدر الأمر حق قدره،

محتاط عاقل، لا يغفل عما يلزم عليه في القيام بأعظم المصالح عن كمال الاقتدار،

وواجب الاحتياط، وعظيم التثبت، وبالغ الجد والاجتهاد، ووفور السعي، غير

مغتر بما له من الخصال، وإن كان فردا مفردا فائقا على أقرانه وأهل عصره.

ووافق أخيرا فعزم على ما عزما عليه. والإنسان مهما بلغ فى الاقتداروعلو الهمة،

قد يكون إذا وقع عليه أمر عظيم وعزمه وتصوره من جميع وجوهه؛ غير غافل عن

وسائل تحصيله وأسباب الوصول إليه يعتريه طبعا نوع من التردد وشيء يشبه

التوقف. لكنه لا يلبث فيزول، ويمضي العازم على عزمه، وجمع أبو بكر

الحفظة المشهود لهم بالضبط والإتقان. وكان أهمهم زيد وأبي بن كعب وعثمان

وعلي وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن

السائب وخالد بن الوليد وطلحة وسعد وحذيفة وسالم وأبو هريرة وعبادة بن

الصامت أبوزيد وأبو الدرداء وأبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص واجتمعوا

برياسة زيد بن ثابت في منزل عمر ليتشاوروا في كيفية جمعه وتخصيص أعمال

كل واحد منهم. ثم أخذوا يوالون اجتماعاتهم في مسجد المدينة؛ لكتابة القرآن.

وكلهم كانوا يحفظونه عن ظهر قلب، وكانوا قد اعتنوا قبل بكتابته جملة مرار

من ذاكرتهم ليتحققوا من ضبطهم له وحفظهم إياه، وجاء من كان كتب مصحفا

بمصحفه، وأحضروا كل الصحائف والقراطيس التي كتبوا فيها القرآن بحضرة

النبي -عليه السلام - وإملائه، وعهدوا إلى بلال أن ينادي بأنحاء المدينة، أن من

كانت عنده قطعة عليها شيء من القرآن، فليأت بها إلى الجامع، وليسلمها إلى

الكتبة المجتمعين لجمع القرآن على مشهد الصحابة، وجيء بعدد كثير من القطع،

وما كانوا يقبلون قطعة حتى يتحققوا أنها كتبت بين يدي النبى وحضرته؛ إذ كان

غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يديه، وما كانوا يفعلون ذلك إلا مبالغة

في الاحتياط، ومغالاة في التحفظ، وإيغالا في الضبط. وكانوا يقابلون القطع

بعضها ببعض لئلا يبقى مجال شك في تمام الضبط. وكتب القرآن زيد بن ثابت

جميعه. قال زيد: حتى وصلنا إلى آية ﴿لقد جاءكم﴾ (التوبة: 128) من سورة

التوبة ففقدناها، وفتشناها لنجدها مكتوبة ثم وجدناها مكتوبة عند أبي خزيمة ابن

أوس بن زيد الأنصاري. وقال زيد: حتى وصلنا إلى سورة الأحزاب، ففقدت آية

من سورة الأحزاب حين نسخت الصحف، قد كنت أسمع رسول الله يقرأ بها

فالتمسناها لنجدها مكتوبة، فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري {من المؤمنين

رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} (الأحزاب: 23) فألحقناها في سورتها في

المصحف وتم جمعه. وجمع عمر جميع الحفظة والصحابة وقرأه عليهم. ولم يقع من

أحد منهم اعتراض حين العرض، ولم يسمع ولم يظهر بعد أيضا. وبعد إجماع أكابر

الصحابة على هذا الترتيب في هذا المصحف، لا يمكن أن يقال أنهم رتبوا ترتيبا

سمعوا النبي -عليه السلام -يقرأه على خلافه. وإجماعهم على هذا الترتيب

وإقرارهم عليه بلا خلاف من أحد منهم؛ أقوى برهان على أنهم وجدوا ما أفادهم

علما لا يدع عندهم ريبا.

فتقرر أمر القرآن تقريرا قطعيا في هذا المصحف. وكان ذلك أعظم فرض قام

به سلفنا الصحابة، وأهم شيء حدث في الإسلام، وأفضل من لهم علينا إلى يوم

القيامة وتوفي أبو بكر وهو أعظم الناس أجرا في المصاحف، وتولي الأمر بعده

عمر ففتحت بلاد الفرس طولا وعرضا، وفتحت الشام كلها، والجزيرة ومصر كلها،

ولم يبق بلد إلا وبنيت فيه المساجد، ونسخت فيه المصاحف، وقرأ الأئمة القرآن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٧٥