في إحدى كفتي الميزان؛ ما يرجح بكل ما يوضع في الأخرى. على هذه الطريقة
القويمة نسير في بيان منافع الأوروبيين ومضارهم في الشرق، بعد تمهيد مقدمات
تعين على فهم مرادنا من المقابلة وهي:
(1) إننا نريد بالمنافع كل ما يزيل شيئا من شقاء الأمة أو يزيد في
سعادتها، فيدخل فيها أمور الصحة ولا سيما مطاردة الأوبئة، وأمور المعاش
والكسب ولا سيما ترقية الزراعة، وتأسيس الشركات المالية، ويدخل فيها العلم
والتربية، والآداب، وأمور الاجتماع، وتدبير المنزل، والعلم بالإدارة، والسياسية،
وأصول النظام، وغير ذلك، مما ينقل الأمة من طور أدنى إالى طور أرقى.
(2) إننا نريد بالمضار ما يقابل المنافع بجميع وجوهها التي أومأنا إليها آنفا،
وهو كل ما تصير به الأمة إلى حال شر مما كانت عليه، في أفرادها، وبيوتها
وهيئتها العامة سواء كان ذلك من جهة البدن كالمعاش والصحة، أو من جهة النفس
كالعلوم والأخلاق والآداب، وإن شئت فقل كما يقول كتاب العصر من الجهة المادية
والجهة الأدبية، ويدخل في الجهة الأدبية الدين.
(3) إننا نريد بالأوربيين كل ما يتناوله اللفظ، لا الحاكمون منهم خاصة.
(4) إن المقابلة التي نوازن بها بين المنافع والمضار إضافية، أي إننا
ننسب حال الأمة بعد اختلاطها بالقوم إلى حالها قبله، لا إلى ما ينبغي أن تكون عليه
من الكمال، ولا إلى ما عليه الأمم الأوروبية في أنفسها، ولا إلى ما تهوى عامتنا أو
خاصتنا أن نكون عليه.
(5) إن الكلام في المقابلة لا يتناول نيات القوم ومقاصدهم فينا، وإنما هو
خاص بالأثر الطبيعي لدخولهم في البلاد، سواء جاء على وفق ما يقصدون أو على
ضده.
(6) إن الغرض من بيان المنافع التنويه بها، والتنبيه إلى الاستزادة منها
ومن بيان المضار، تقبيحها والتنفير عنها، ووراء ذلك تلبية نداء التاريخ بتخليد
هذه الحقيقة في ألواح الصحف، سالمة من نزعات تعصب الجاهلية، محفوظة من
نزغات الأهواء السياسية؛ لأن مدونها يحبها لذاتها، ولا يخاف في تقريرها لومة
لائم، ويحب أن يكون المسلمون وسائر أهل الشرق على هدى وبصيرة فيما يأخذون،
وفيما يتركون.
(7) إنه لا يفقه هذا الموضوع حق الفقه، إلا من كان عارفا تاريخ الشرق
حق المعرفة، خبيرا بأخلاق الناس فيه، وعاداتهم، وطبائع الأمم، وأحوال
الاجتماع، وشئون السياسة، ونحن لا نكتب هذه المقارنة والموازنة لمثل هذا العالم
الاجتماعي النحرير، وإنما نكتبها للجمهور الذي لا يعرف من حال نفسه، وحال
من يعيش معهم، إلا ظواهر غرارة لا تنفذ بصيرته إلى شيء مما وراءها، وإن
كان يوجد في أفراده من يظن أنه أحاط بما هنالك علما، وقتله فقها وفهما.
من مسائل علم الاجتماع، أن الأفراد والأمم المؤلفة منها تقتبس ممن يخالطها
ويجاورها ما يناسب استعدادها. فالأفغانيون لما كانوا أهل حرب، وأولي قوة وبأس،
اقتبسوا من الأوروبيين النظام العسكري؛ وما يتبعه من الاستعداد للحرب والكفاح.
والسوريون لما عرف من استعداهم القديم للتجارة، كان أول شيء استفادوه من
الأوروبيين فنون التجارة وطرقها الجديدة حتى بذوهم في ذلك، فقد كان معظم تجارة
سوريا الكلية ببيروت في أيدي الأجانب، فغلبهم عليها من كانوا يخدمونهم من
الأهالي حتى لم يبق لهم منها إلا أقلها. والمصريون وهم أهل حرث وزرع، قد
استفادوا منهم في ترقية زراعتهم؛ ما سبقوا به جميع الزراع في المشرق. وكذلك
يكون اقتباس المضار على حسب الاستعداد، فلابد من تدبير هذه القاعدة الاجتماعية
فيما نذكر من المقابلة والموازنة في الفصول الآتية.
(2)
نبتدئ بذكر المنافع والفوائد التي استفدناها بمخالطة الأوروبيين والاتصال بهم
وفي اقتباس علومهم ومعرفة أحوالهم وشئونهم، فنعد منها ما يسبق إلى الذهن أنه
الأهم، ونختار في سردها معدودة لفظ الفوائد فنقول:
الفائدة الأولى