تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نوع واحد، يضمون بعضها إلى بعض مرئية على حسب ترتيب عباراتها،

وربما رأوا أنواعا أخرى من القرطاس أحسن من التي كانوا يعرفونها؛ كأوراق

البردي بمصر مثلا.

دعاهم داعي الفزع عند قتل سبعين من القراء يوم اليمامة إلى المبادرة

والإسراع في جمع القرآن على طريقة تلك الأمم؛ خوفا عليه من الضياع من تلك

الرقاع المختلفة، فعقدوا في الحال اجتماعا، واستقر رأيهم إجماعا على العمل

على تلك الطريقة. وهكذا جمع القرآن، ووجد بين العرب أول كتاب بالمعنى الذي

نفهمه نحن الآن، وتحقق وعد الرحمن: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (الحجر:9) .

اختلف المسلمون في ترتيب سور القرآن وطرق قراءته. وتبع ذلك اختلاف

مصاحفهم؛ لأن الرسول لم يلزمهم باتباع ترتيب مخصوص في السور، ولم يجمعهم

على قراءة واحدة، سور القرآن كل منها ككتاب قائم بذاته كما قال تعالى: {رسول

من الله يتلو صحفا مطهرة * فيها كتب قيمة} (البينة: 2-3) فليس ثم فائدة كبيرة

في التزام ترتيب مخصوص، ولفظ (سورة) مأخوذ من سور المدينة سميت به

القطعة المخصوصة من القرآن؛ لأنها طائفة مستقلة بذاتها. فكأنه صلى الله عليه وسلم

ترك بين المسلمين 114 كتابا، كل منها محفوظ مكتوب مرتبة آياته، وجمعها

بالطريقة الحاضرة لم يكن معروفا في عهده، وإنما حدث بعده بقليل، وإن كانت في

زمنه مجموعة عند بعضهم في الصحف المتنوعة التي ذكرناها.

أما اختلاف القراءات فهو نوعان: اختلاف بسبب اللهجات كالإمالة

وعدمها، واختلاف آخر في الكلمات كتغيير شكلها أو إعرابها أو بعض حروفها أو

نحو ذلك، ولكل من النوعين فوائد، ففوائد الاختلاف بسبب اللهجات هي: (1)

تسهيل نطقه وفهمه وحفظه لقبائل العرب (2) إظهار أنهم يعجزون جميعا عن

الإتيان بمثل سورة منه كما تحداهم بذلك، ولو بلغاتهم المختلفة، وأن عجزهم عن

المعارضة ليس ناشئا عن نزوله بلهجة واحدة لا يعرفها كثير منهم. وفوائد اختلاف

الكلمات هي: (1) تسهل حفظه على كل أحد. وبيان ذلك أن من أراد حفظ

القرآن كثيرا ما يسبق لسانه بنطق مخصوص. فإذا علم أن هذا خطأ جاهد نفسه

لتقويم لسانه، ولكن إذا علم أن قراءته جائزة لم يحتج إلى هذا العناء مثلا إذا أراد أن

يحفظ قوله تعالى: ﴿كلا بل لا تكرمون اليتيم * ولا تحاضون على طعام المسكين﴾ (الفجر: 17- 18) فيجهد نفسه في العدول عن ذلك، ولكنه إذا علم أن هذه

قراءة جائزة لا يحتاج إلى التعب. وهذا الأمر يدركه جيدا من عانى حفظ القرآن

الشريف. ومن ألزم بإصابة غرض واحد لا غير، ليس كمن أبيح له إصابة أي

غرض من بين بضعة أغراض. ولا تنس ما لتسهيل حفظ القرآن على الأمة من

الفوائد، فإنه أعظم طريقي القرآن في نقله وروايته، وخصوصا في الأزمنة القديمة

وبين الأمم الساذجة. (2) تكثير المعاني، فبتعدد القراءات تكثر المعلومات وتزداد

الفوائد. وقد يكون بعض المعاني مبينا للبعض الآخر. (3) تخفيف بعض

الأحكام فمثلا قوله تعالى في آية الوضوء: ﴿وامسحوا برءوسكم وأرجلكم﴾ (المائدة: 6) بالكسر، يفهمنا أن الغسل المفهوم من قراءة الفتح غير واجب على

التعيين وأن المسح يكفي. فلهذه الأسباب ولغيرها كان الرسول صلى الله عليه

وسلم يقرئ المسلمين القرآن بأوجه مختلفة؛ ولذلك قال كما تواتر عنه (أنزل

القرآن على سبعة أحرف) الحديث، ولفظ السبعة تستعمله العرب أحيانا للمبالغة في

الكثرة، فيحتمل أن يكون هذا هو المراد هنا، وأن المراد سبع لهجات العرب

الشهيرة، وهو لا ينافي أن هناك قراءات أخرى غير اللهجات؛ إذ لفظ الحديث لا

يفيد القصر.

وقع الخلاف بين المسلمين في هذه القراءات إلى أن اشتد في زمن عثمان -

رضي الله عنه -؛ إذ كان بعضهم إذا تلقى قراءة وسمع من غيره ما يخالفها

نازعه في ذلك، واتهمه بالتحريف، فخشي أن يحصل بينهم من الاختلاف في

القرآن ما حصل بين أهل الكتاب. ورأى أن يجمع المسلمين على مصحف واحد،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٥٦