تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لهم:] قل من أنزل الكتاب [1] الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه

قراطيس [أي صحفا متفرقة (الأنعام: 91) ] تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم

تعلموا أنتم ولا آباؤكم [وقال أيضا: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون

هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما

يكسبون} (البقرة: 79) وهذا كله يدل على أن كتبهم المقدسة ما كانت تامة ولا

محصورة بين دفتين، بحيث لا تقبل الزيادة ولا النقصان، وإنما كانت مبعثرة في

رقاع منثورة، وأن بعض صحفهم كان حقا والبعض الآخر كان باطلا. أما ما ورد في

القرآن من نحو قوله تعالى: ﴿وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله﴾ (المائدة: 43) ، فمعناه أن عندهم أجزاء من التوراة فيها حكم الله في المسألة التي

تحاكموا فيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكما يطلق لفظ القرآن ويراد به أجزاء

منه، كذلك يطلق لفظ التوراة أو الإنجيل ويراد به بعضها أو أجزاء منها، وهذه مسألة

شائعة في القرآن الشريف وفى اللغة، ومن ذلك قوله تعالى: {شهر رمضان الذي

أنزل فيه القرآن} (البقرة: 185) أي بعضه أو جزء منه.

قدمنا لك هذه المقدمة؛ لتعلم أن العرب ما كانت تعرف الكتاب ولا

الورق بمعنييهما عندنا، وأوضحنا لك فيها درجة معرفتهم القراءة والكتابة، وذكرنا

لك ما كانوا عليه يكتبون.

بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - فيهم وحالتهم كما علمت، وأوحي إليه

هذا القرآن ليبلغهم إياه، فانظر ماذا فعله هذا الرسول الأمين حتى نشر بينهم

الكتاب المبين.

علم قوة ذاكرتهم واعتمادهم عليها في نقل أخبارهم وأشعارهم، حتى إن

كثيرا منهم كان يسمع الأبيات من الشعر أو القصيدة الطويلة تتلى عليه فيحفظها من

أول مرة، فداوم صلى الله عليه وسلم على حضهم على تلاوة القرآن، وبالغ في

حثهم على حفظه وضبطه. وفرض عليهم قراءته في الصلوات، وبقي على هذه

الحالة بضعا وعشرين سنة حتى كثر فيهم القراء، وكانت السورة الواحدة يحفظها

الألوف من الناس، والقرآن كله يحفظه الكثيرون منهم. لم يكتف صلى الله عليه

وسلم بذلك؛ بل أمر بكتابته، واختار طائفة منهم لتكتبه له على ما تيسر له إذ ذاك

من الجلود والعظام والجريد والحجارة وغيره مما كانوا يعرفونه، وأكثر في ترغيبهم

في التعلم ومدح القراءة والكتابة بنحو قوله: يوزن يوم القيامة مداد العلماء بدماء

الشهداء، ومثل ذلك في الأحاديث كثير. ورد في القرآن الشريف أيضا قوله

تعالى: ﴿ن والقلم وما يسطرون﴾ (القلم: 1) وقوله: {اقرأ وربك الأكرم * الذي

علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم} (العلق: 3-5) وذم الله تعالى أهل الكتاب

بقوله: ﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون﴾ (البقرة:

78) وألزم تعالى المؤمنين بكتابة الدين في الآية المشهورة في آخر سورة البقرة؛

وبذلك وجدت فيهم الرغبة في تعلم القراءة والكتابة، وأخذ عدد الكاتبين بينهم يزداد

شيئا فشيئا، وكتب كل ما نزل من القرآن كثير من المسلمين في عهده عليه الصلاة

والسلام. ولم يمت إلا بعد أن كانت جميع السور مرتبة الآيات، مكتوبة في السطور

عند الكثير منهم، محفوظة في صدور الجماهير وبعد أن سمعوها منه مرات عديدة في

الصلوات والخطب وغيرها، وسمعها هو أيضا منهم. والخلاصة أن النبي عليه

السلام تبع أقرب الطرق لتعميم نشر القرآن المجيد بين أفراد الأمة العربية، وعمل

أحسن ما يمكن عمله بالنسبة لمعلوماتهم وحالتهم.

سمت نفوسهم بعد ذلك للعلا بما بثه فيهم واستعدت للرقي، فلما كثر اختلاطهم

بمن جاورهم من الأمم، أخذوا ينقبون ويفتشون في أحوالهم بعيون مبصرة

وعقول مفكرة؛ كي يعثروا على جديد يقتبسونه أو إصلاح إلى بلادهم يسوقونه،

فبصروا بما لم يبصروا به من قبل. ووجدوا أن لتلك الأمم طريقة أخرى في

تدوين معلوماتهم لم تكن تخطر على بالهم. وهي أن يكتبوها على صفحات صحف من

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٥٥