تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ينسخون عنه ويرجعون إليه في ضبط مصحافهم؛ حتى لا يكون فيها اختلاف ولا

تكثر فيها هذه القراءات، وأخبر جمهورا عظيما من أصحاب رسول الله بذلك،

فوافقوه على رأيه، فأمر بكتابة المصحف على طريقة قريش في الرسم، وكان

الكتاب فريقا من الصحابة أيضا، فكتب عدة مصاحف بهذه الطريقة بعد التحري

والتدقيق ومراجعة ما كتب قبل ذلك، وبعد السماع من الحفاظ وإن كان الكاتبون هم

أيضا من الحفظة، ثم أرسلت هذه المصاحف إلى الآفاق التي انتشر فيها الإسلام،

وفيها الجماهير من الصحابة ومن أخذ القرآن عنهم حفظا وكتابة، فوافقوا جميعا على

استعمالها والتعويل عليها، وأعدموا غيرها مما عندهم. وكان ذلك بعد وفاة النبي

بخمس عشرة سنة (أي سنة 25 هجرية) .

هذا ومن علم طباع العرب وغلظها وشدة إيمانهم وتمسكهم بدينهم، وعرف

ما كان عليه الخلفاء الراشدون من الأخلاق، وأنهم ما كانوا ليستبدوا بالأمر في شيء،

حتى لو أرادوه لما قدروا عليه؛ وعرف حال عثمان وسبب قتله من عرف ذلك كله

أيقن أنهم لو كانوا وجدوا في مصاحف عثمان عيبا لرفضوها، ولأثيرت حروب

وأريقت دماء، وكان دم عثمان في أولها، ولارتد كثير من الناس عن الإسلام لهذا

السبب، ولعاب المسلمين بتحريف القرآن من خالطهم أو دخل فيهم من أهل الكتاب

وغيرهم، ولما اتفقوا جميعا على قبول هذه المصاحف، ولوجدت مصاحف مختلفة

بينهم إلى اليوم. فعدم حصول شيء من ذلك يدل على أن هذه المصاحف هي عين ما

تلقوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخصوصا لأن الذين تلقوها بالقبول ما

كانوا جاهلين حرفا واحدا من القرآن، بل كانوا حافظين له حفظا جيدا في الصدور من

قبل وجود هذه المصاحف وكثير منهم كانوا ممن تلقوه كله أو بعضه مباشرة عن النبي

صلى الله عليه وسلم.

هذه المصاحف العثمانية لم تكن منقوطة ولا مشكولة، ورسمها في كثير

من المواضع يخالف ما اصطلح عليه الناس فيما بعد من قواعد رسم الكلمات

العربية، ولكن جرى المسلمون على تقليد هذا الرسم في جميع بقاع الأرض؛ على

مخالفة بعضه لما وضعوه من القواعد؛ يعد محافظة منهم على عمل الصحابة

رضوان الله عليهم، وتحاشيا لعمل أي تصحيح أو تحرير في الكتاب، ولم يخرجوا

عنه إلا في الأزمة الأخيرة في كلمات قليلة كتبوها على مقتضى طريقتهم، على

أن أكثر مصاحفهم لا يزال إلى اليوم كالكتبة الأولى، لكنها في الغالب منقوطة

مشكولة.

أما القراءات، فاستمرت مختلفة بين المسلمين إلى زمننا هذا، فهم وإن

كانوا أجمعوا على المصاحف العثمانية إلا أن القراءات التي كانوا يقرأون بها من

قبل - هي وكانت غير مخالفة للرسم العثماني مخالفة يعتد بها - استمروا على القراءة

بها فيما بعد، أما التي تخالفه، فأخذت تتلاشى من بينهم شيئا فشيئا. وعليه

فوجود المصاحف العثمانية أفاد المسلمين ثلاث فوائد:

(الأولى) إجماعهم على مصحف واحد في الكتابة.

(الثانية) تقليل الاختلاف بينهم في القراءة.

(الثالثة) اتفاقهم على ترتيب مخصوص للسور، ولعل هذا الترتيب كان

يستحسنه الرسول، وإن لم يوجبه كما سبق.

تواتر من هذه القراءات المختلفة سبع، روى كلا منها عن رسول الله صلى

الله عليه وسلم الجم الغفير من أصحابه، وأخذ عنهم في البقاع المختلفة الجماهير

من التابعين، فأخذ عنهم من بعدهم وهكذا إلى اليوم. وهذا القراءات المتواترة

يحتملها رسم المصاحف، ولا تخالفه كما قلنا مخالفة يعتد بها أو صريحة إذا

جردت من النقط والشكل كما كانت.

اشتهر بين التابعين ومن تبعهم أناس بإتقان هذه القراءات وتعليمها

لغيرهم، فنسبت إليهم، وسموا أئمتها وإن كانت متواترة بين المسلمين في جميع

البلاد، وهؤلاء هم عبد الله بن كثير بمكة، وعبد الله بن عامر بالشام،

وعاصم بالكوفة، وكذلك حمزة والكسائي ونافع بالمدينة، وأبو عمرو بن العلاء

بالبصرة وفيهم الثلاثة الأول تابعيون، بقي المصحف غير منقوط ولا مشكول

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٥٧