التعريب وهو جعل بعض الكلم العجمي عربيا لا يضعف الجنسية، بل يقويها.
ويوضحه ما ذكرناه آنفا في الكلام على الدليل الثالث. ونزيد عليه بأنه يجب علينا
أن نجهد في تعميم التعليم بالعربية بقدر الاستطاعة، وأن يكون حظنا من اللغات
الإفرنجية نقل العلوم ونشرها بألسنتنا، وذلك لا يتم لنا إلا بتسهيل طرق النقل ومنه
التعريب. فإباحته تأتى بنقيض ما يخافه الإسكندري بالشرط الذي اشترطناه؛ وهو أن
يكون بقدر الحاجة حتى لا يعسر على نقلة العلوم نقلها، فنضطر إلى تعلمها بلغات
واضعيها.
وأما الخامس: وهو توسيع نطاق اللغة، فأمره أظهر، فالتوسعة إنما تكون في
تسهيل نقل العلوم لا في ضده.
وأما السادس: وهو عدم الاستفادة من التعريب فهو ممنوع، على أننا نفوض
الأمر فيه الى المجمع اللغوي مع جعله مباحا.
***
ترجمة الصناع وغيرهم من العامة:
هذا وإننا نرى العامة تسرع إلى وضع أسماء جديدة لكل ما يصل إليها من
أجناس المخترعات. وقد وقفت على أكثر أسماء أدوات آلات الطباعة وما يتعلق
بها فرأيتها عربية قد تجوز بها الصناع بالتشبيه بأعضاء الإنسان وغيرها ومنها
الأسماء الآتية: (الذراع، والفخذ، والأصابع، والأسنان، ويشتقون من الأسنان
فيقولون مسنن. وفي آلة الخياطة هنة صغيرة يسمونها السنة ويعنون بها السن
الصغيرة. ومنها ما يسمونه بالوجه، وهو مايقابل وجه العامل الذي يقف أمامها.
ومن التشبيه بغير أعضاء الإنسان الترس والطنبور والسكينة والدائرة واللقمة
والحوض (لموضع الحبر من آلة الطبع) وتراهم قد عربوا بعض الأسماء تعريبا
إذا لم يهتدوا بسليقتهم إلى اسم مجازي لها وهو أقلها ومنه الشلندر والياي والصامولة.
ولو عرضت هذه الأدوات والهنات على الخاصة منا لحاروا في تسميتها
وكانت عندهم موضع الخلاف والنزاع والقيل والقال، واتسع فيها مجال المناظرات.
وما سبب ذلك إلا أن هؤلاء الخواص قد ضعفت فيهم ملكة اللغة العامية بما زاولوه
من فنون الإعراب والبيان، ولم يصلوا إلى إحكام ملكة اللغة الفصحى فملكتهم
مذبذبة بين صنعة الفنون وملكة العامية.
فعامة أهل البلاد التي تسمى عربية كالعراق وسوريا ومصر والمغرب يجوز
أن يسموا الآن عربا بالجنس واللغة؛ إذ ليس لهم لغة إلا العربية. ولا يمنع ذلك
ضعف اللغة في ألسنتهم بما فتكت بها العجمة؛ فإن ضعف الشيء لا يخرجه عن
ماهيته فالإنسان الضعيف إنسان، والدولة الضعيفة دولة. كذلك اللغة الضعيفة لغة.
ومداواة الضعف مما يدخل في مقدور الناس إذا كان كنه المرض معروفا ودواؤه
معروفا.
وإني أرى أن جميع المفردات التي يتألف منها كلام أهل سوريا ومصر عربية
الأصل إلا ما يعرف له أصل أعجمي من التركية، أو الفارسية أو اللغات الإفرنجية
- وهو الأقل - وكذلك أساليب الكلام عندهم لا تزال كأساليب العرب في الغالب.
ولعل ألسنة أهل العراق والحجاز أقوم من ألسنة أهل مصر والشام، كما أن
ألسنة أهل هذين القطرين أقرب إلى العربية الفصحى من ألسنة أهل المغرب
الأدنى والاقصى.
إني أعرف من نفسي الضعف في اللغة العامية حتى إن الكلمات التي يشكل
علي فهمها من كلام العوام تكاد تكون أكثر من الكلمات التي يشكل علي فهمها في
كتب الأدب والتاريخ. ولكنني قلما أشكلت علي كلمة عامية فراجعت لها معاجم اللغة
إلا وجدت فيها أصلها. ومن الكلم الصحيح ما يشكل عليك معناه بعد المراجعة في
المعاجم وهو لا إشكال فيه عند العامة. أذكر أني راجعت مرة جميع ما عندي من
المعاجم لأفهم معنى البنيقة في قول مجنون ليلى:
يضم إلي الليل أبناء حبها ... كما ضم أزرار القميص البنائق
فما زادني ذلك إلا حيرة، ولم أفهم مسمى البنيقة فهما واضحا يمكنني تعيينه
بالإشارة إليه ولكنني عرفت ذلك بعد من والدتي.
ألا ليت بعض أهل الغيرة يجمع لنا الكلم المحرف على ألسنة العامة ويرجعه
إلى أصله الفصيح لعله يسهل علينا بعد ذلك أن نضبط طرق التحريف فنستفيد من