تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجملة القول: إن كلا من الخضري والإسكندري قد أحسن فيما كتب وأصاب

على مانرى فيما أثبت، وأخطأ فيما نفى ولا ننسى فضل ما أطال به الثاني فأفاد.

والذي نراه هو أن يكون للمجمع اللغوي الذي يراد تأليفه الحرية التامة في اتباع

سلفنا في بداوتهم وحضارتهم والزيادة عليهم إذا أمكن؛ فإنه قد يحتاج في نقل

الاصطلاحات العلمية إلى مجاراة الأوربيين في جعل أسماء الآلات الكثيرة التي من

نوع واحد بحيث يعرف من كل منها نوعها الكلي الذي تندرج تحته، ويرى أن ذلك

لا يتم إلا بالتعريب أو الارتجال أو النحت أو غير ذلك.

وقد كبر على الإسكندري الخوف على اللغة من كثرة الاصطلاحات المعربة

حتى جعله مفزعا جدا، والأمر أهون فيه مما تصوره، فصوره في خطابة على

أن الاصطلاحات المترجمة لو كثرت في الإنشاء والخطابة لأفسدت أسلوب اللغة.

وهذا ابن خلدون قد بين أن مزاولي الفقه وفنون العربية لا تستحكم فيهم ملكة البيان

ولا يكون منهم البلغاء، فللفنون أسلوب أو أساليب خاصة بها لا تجني على

الأسلوب الفصيح، إذا هو أخذ على وجهه في اكتساب الملكة.

للكلام ضروب كثيرة منفصل بعضها عن بعض لا حاجة إلى إدخال

اصطلاحات كل واحد منها في غيره. لكل فن من الفنون العربية والشرعية والعقلية

والرياضية والطبيعية والصناعية والمالية والعسكرية ألفاظ خاصة بها لا يدخل

بعضها في بعض إلا قليلا. وأقل من ذلك ما يحتاج إليه في الكتابة الأدبية والخطابة

والشعر وهي ما به يكون التفاضل في البلاغة وسحر البيان. فإذا كان أساس العربية

في هذا النوع من الكلام هو القرآن الحكيم والأحاديث الشريفة وآثار الصحابة

والتابعين، وهى أساس الدين المتين ثم أشعار الجاهلية وصدر الإسلام - فماذا يضر

اللغة بعد ذلك إذا كثرت اصطلاحات الفنون المعربة أو قلت؟ وإذا نحن قصرنا في

حفظ هذا الأساس المتين فماذا يفيدنا جعل مصطلحات الفنون من المواد العربية،

ونحن نستعملها في غير ما استعملتها به العرب؟

إننا بهذه الكلمات نقضنا أدلة منع التعريب، وهدمنا هيكلها المسدس، فأما

الدليل الاول: وهو اتفاق أئمة اللغة على أن التعريب ليس من حقوقنا فقد بينا أنه

اتفاق على التسمية، فلنسم ما نعربه الآن مولدا كما سموا ما عربه من قبلنا من

العلماء المولدين أو محدثا كما أختار.

وأما الثاني: وهو المحافظة على سلامة اللغة والاقتداء بالعرب في وضع

العلوم وترجمتها فقد بينا أن التعريب لا يعرض سلامتها للخطر وإننا لا نخرج به

عن اتباع سلفنا الذين ترجموا علوم اليونان. وإنما يرد علينا هذا إذا التزمنا طريقة

الخضري وهي الاكتفاء بالتعريب عن الترجمة والوضع الجديد، وما نحن بملتزميها

فإننا لم نقبل من طريقته إلا جواز التعريب، وقيدناه بقيد الحاجة إليه.

وأما الثالث: وهو المحافظة على فهم القرآن وكتب السنة فقد علم مما قدمناه

أنه مهما اتسعت دائرة الفنون عندنا، وكنا نقيم القرآن والحديث ونجعلهما أساس

بلاغتنا وينبوع هدايتنا - فإن ضعف أسلوب تلك الفنون لا يصدنا عن اكتساب ملكة

البلاغة، ولا فهم القرآن وكتب السنة والاهتداء بها. وأزيد على ذلك فأقول: إن

العناية بالقرآن وكتب السنة إنما تقوى في المسلمين بقوة الدين وتضعف بضعه، فما

دمنا مسلمين نتعبد بالقرآن، ونهتدي به وبكتب السنة فإننا لا نزداد بزيادة معارفنا

إلا قوة في ديننا، وإنما يخشى أن يصدنا عن القرآن والسنة بقاؤنا على التقليد

الأعمى مع مهاجمة المدنية الغربية لنا بإباحة المحظورات، وتقطيع الروابط الملية

بشبهة الجنسية والوطنية، وتلون السياسة، لا بأسماء المخترعات وتجدد

الاصطلاحات العلمية التي يمكن لنا استعمالها مع المحافظة على كل ما عندنا وإن

عربنا بعض ألفاظها فإن التعريب لا يضعف اللغة وإنما يمدها ويغذيها.

وأما الرابع: وهو المحافظة على الجنسية العربية فقد علم من كلامنا أن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٩٧