تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

معرب في القرآن الكريم لا يزيد عن ستين لفظا غير الأعلام. وقد أحصيت جميع

ما ورد من المعرب في الكتب التي بأيدينا (كشفاء الغليل) و (المزهر) و (فقه

اللغة) و (الإتقان) و (لف القماط) ورسالة ابن كمال باشا، بعد حذف المولد

والأعلام فلم يزد على ستمائة كلمة، وهب أنها وصلت إلى ألف أو ألف وخمسمائة

أفلم يكن اقتصار العرب على هذا القدر الضئيل مع ما كانوا عليه من التبدد

والتبعثر بين جميع أمم الأرض - برهانا ساطعا على شدة احتفاظهم بلغتهم وحياطتهم

لها على ما منيت به من البلايا والمحن ورزئت من الهزاهز والفتن، مما لو تقحمت

فيه لغة أخرى لغارت في غيرها وأمست من العاديات والبوائد؟

فلو جرينا على شبهة القائلين باستعمال الألفاظ الأعجمية التي أحدثتها المدنية

الأوربية من أسماء المصالح والإدارات والشركات والآلات واصطلاحات العلوم

لطرقنا في العربية لأكثر من عشرين ألف كلمة، فإن ما نحتاج إلى ترجمته من

العلوم والفنون والصنائع لا يقل عن أربعين، ولا أقل من أن يكون لكل منها

خمسمائة اصطلاح، وذلك خطب هائل يأتي بنيان اللغة من قواعده وتستأسر له تلك

الفلول التي بقيت في رءوسنا منها، وما ظنك ببقاء ستة آلاف لفظ تستعمل الآن في

الجرائد والمؤلفات والرسائل أمام هذا السيل الجارف، ويزيد الأمر ضغثا على أبالة

من يرى من أهل هذه الشبهات اشتقاق أفعال ومصادر من الألفاظ الأعجمية مثل ما

فعلته العرب في (لجام ونبهرج وبريد) ؛ فقالت: ألجم الفرس، وبهرج الدرهم،

وأبرد السفير. فيقول هو: (أترمت إلى أوتيل مينا هاوس حيث رأينا تيلونوتوجراف

يلفجرون متش الجمال ثم رجعت متنبلا إلى الكازينو لمشاهدة السينما توجراف

فألوجت ولم أفت) . وهي درجة لا تصل إليها الأمة إلا بخذلان من الله تعالى.

ولئن تم ذلك - لا قدر الله - لتكونن اللغة المالطية أقرب إلى العربية من لغتنا.

ولقد ذكرني ذلك ما أخبرني به بعض ثقات الأفاضل ممن حضر مؤتمر

الجزائر منذ عامين أنه سمع بعض متفرنجة الجزائر يقول: (ركبت أنا

والمدموازيل أنتاعي في الشماندفير وصلنا عنابة الساعة الثامنة سوار) وسأل

أحدهم في باريس أين تصلي الصلوات؟ فقال: (أصلي في الشانبر سيدي ما في

موسكي) .

وأما ما يقال من أن أمم أوربا لا تأنف أن تدخل في لغتها لغة غيرها فإن ذلك

لا يوطننا على تقليدها، فإن لغة القراءة والكتابة عندها هي لغة العامة وهي تتبدل

كل يوم. على أنهم يأنفون ذلك بعض الأنفة، ولهذا نقل العلماء والمخترعون

الأسماء الحديثة من اللاتيني أو اليوناني القديم من حيث بادت أممهما وفنيت

عصبتهما.

وما لنا نتبع غيرنا إذا أخطأ وأصبنا نحن؟ ما بقي عندنا من ممثلات جنسنا

إلا هذه الميزة وهي حفظ اللغة والقرآن الكريم. فليتق الله هؤلاء النفر في جنسهم

ولغتهم وقرآنهم، ولا ينسوا أن لغتهم لغة دين وأن في تسليمها تسليما للذات وإبادة

لعلوم القرآن الكريم والسنة، وتشبها بالغراب النحس الذي أراد أن يقلد الحجلة فلم

تتهيأ له مشيتها ونسي مشيته.

(الشبهة الثانية) يقولون لو نقلنا أسماء الآلات والاصطلاحات العلمية كما هي

إلى اللغة العربية كنا جرينا على أهم قاعدة ذلل بها المتمدنون شموس الأمور،

وحسموا بها كثير من الخلاف والنزاع، وهي توحيد لسان العلم في جميع اللغات

وفي ذلك من تقارب الأمم ما لا يخفى. ونقول في إزالة هذه الشبهة: إنما فعلت أمم

أوربا ذلك لتقارب أصول لغاتها في الأساليب والبيان، ولاشتراكهم في الكتابة

بالحروف اللاتينية، ولعدم تحفظهم بلغة دين أو جنس؛ فالكلمة يكتبها الفرنسي

بهجائها الخاص كما يكتبها الإنجليزي، وكثيرا ما تكون مخارج حروفها عندهما

سواء. فما الفائدة لنا في مشاركتهم في لسان العلم مع أن كتابتنا غير كتابتهم،

وحروفنا غير حروفهم ولا مندوحة لنا عن أن تختزل الكلمات الأعجمية التي تزيد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٨٨