والسكرجة، على أنهم لم تقصر همتهم على نقل الأسماء فحسب، بل تصرفوا فيها
واشتقوا منها أفعالا وجمعوها جموعا مختلفة فقالوا: ألجم الفرس إذا ألبسه اللجام
وبهرج عمله إذا أبطله وجعله كالدرهم المبهرج، وجمعوا أستاذا على أستاذين
ونموذجا على نماذج ونموذجات، مما عده أئمة اللغة أصلا من أصول اللغة،
وسموه بالتعريب، وأفردوه بالمؤلفات الممتعة.
فبعد هذا كله لو أدخلنا في اللغة العربية أسماء الآلات الحديثة والجواهر
المستكشفة والاصطلاحات العلمية، كما وضعها أربابها أو بنوع من التحريف لم
نحدث حدثا في اللغة، ولم نجن فيه بفعل منكر، وإنما نفعل ما فعله العرب أنفسهم
ونكون بذلك قد خرجنا من الضيق الذي نحن فيه وانتجعنا باللغة منتجعا تستمرئ
به، ويزيد في فراهتها، وما برحت اللغات يأخذ بعضها عن بعض، فالإنجليزية
مثلا تنقل عن الفرنسية ما لم يكن فيها من أسماء المعاني والذوات ولا سيما أسماء
الأدوات واصطلاحات العلوم، وكذلك الإنجليزية عن هذه وعن غيرها.
ونقول في إزالة هذه الشبهة: لا نمنع أن اللغة يأخذ بعضها عن بعض وأن
العرب أخذت من لغات غيرها، وأن في القرآن والحديث ألفاظا أعجمية الأصل،
وأن جميع هذا يسمى تعريبا، وهو أصل من أصول اللغة، ولكن من هم الذين
يأخذون ويضعون ويعربون ويتصرفون في اللغة العربية؟ لا شك أنهم أهل ذلك
اللسان وهم العرب أنفسهم. فلا حق لغيرهم في التصرف والتعريب والاشتقاق من
ألفاظ غيرهم، ولم يقل أحد من أئمة اللغة ونقلتها الثقاة بجواز إدخال الأعاجم
والمولدين شيئا من لغتهم في العربية الفصحى وعده منها، بل مقتوا ذلك وحاربوه
ونبهوا الناس إليه في معاجمهم، فقالوا: إنه أعجمي عربه العرب أو عربه المولدون.
وربما أفردوا لذلك كتابا ككتاب (المعرب) للجواليقي و (الشفاء) للشهاب
الخفاجي وغيرهما. كما قاموا بجمع كثير من الألفاظ التي تقابل ما شاع على ألسنة
أهل زمانهم من المولد والمستعجم، وسموه الفصيح كفصيح ثعلب وغيره.
ننقل هنا رأي الأئمة فيمن له حق التعريب:
قال الشهاب الخفاجي نقلا عن الجواليقي: اعلم أن العرب تكلمت بشيء من
الأعجمي، والصحيح منه (أي: مما صار معربا) ما وقع في القرآن والحديث أو
الشعر القديم أو كلام من يوثق بعربيته. فترون من ذلك أن التعريب حق للعرب
وحدهم. وأما ما عربه غيرهم من المولدين فلم يعدوه من قسم المعرب الذي يصلح
استعماله في الفصيح، ولذلك قال الشهاب الخفاجي في آخر مقدمته في الشفاء: وقد
أترك بعض ما عربوه لعدم وروده عمن يعتد به نحو (بشخانة) للكلمة التي يقولون لها
ناموسية، قال: (وهو مولد) .
بشخانة قد طرزت ... قالت بلفظ موجز
على الحريري سما ... قدري والمطرزي
وقال السيوطي نقلا عن ابن دريد في الجمهرة: باب ما تكلمت به العرب من
كلام العجم حتى صار كاللغة: فمما أخذوه من الفارسية البستان والبهرجان إلخ..،
وقال نقلا عن ابن الأنباري شارح المقامات: كثيرا ما تغير العرب الأسماء
الأعجمية إذا استعملتها كقول الأعشى: (وكسرى شهنشاه الذي سار ملكه) الأصل:
شاهان شاه، فترون أنه لم يستشهد إلا بكلام عربي وهو الأعشى.
فالتعريب إذن هو كما قال الجوهري في الصحاح: تعريب الاسم الأعجمي
هو أن تتفوه به (العرب) على منهاجها.
ونبحث الآن عمن هم العرب الذين يعتد بعربيتهم في استعمال الألفاظ التي
هي من موضوع علم متن اللغة. قال البغدادي في كتابه (خزانة الأدب) نقلا عن ابن
جابر: (علوم الأدب ستة: اللغة والصرف والنحو والمعاني والبيان والبديع،
والثلاثة الأول لا يستشهد عليها إلا بكلام العرب) ولا ريب في أن مبحث الألفاظ
العربية هو من مباحث علم اللغة. وقال: الكلام الذي يستشهد به نوعان (شعر
وغيره) فقائل الأول قد قسمه العلماء على طبقات أربع: الطبقة الأولى الشعراء
الجاهليون إلخ، ثم استرسل في عد هذه الطبقات حتى أوصلها إلى طبقة المولدين