تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم يكن هذا الوهن والانكشاف عن خور فطري في العربية أو جبن متأصل

فيها، ولكن هذا شأن جميع اللغات أمام كل انقلاب جديد وحادث عظيم.

وقد جرت سنة الوجود على أن مصير اللغات أمام الانقلابات العظيمة

والحوادث الجسام إلى أحد حالين: إما أن تتسامح في قبول كل ما يطرأ عليها من

لغة غيرها لا سيما الألفاظ ذات المعاني التي لم تعهدها من قبل، فتندمج إحداهما في

الأخرى على طول الزمن، كما اندمجت لغة بقايا عرب الأندلس في اللغة

الأسبانيولية، وعرب جاوه في لغة الملايو، واللغة القبطية ورومية سورية في

العربية. أو يتخلف عنهما خليط ليس من اللغتين، كما فعلنا نحن في لغة المحادثة

فنشأت العامية المختلفة اللهجات المتشعبة المناحي وتبعها اختلاف الأجناس من

مصري وشامي وعراقي ومغربي وسوداني وحجازي ويماني. وكما فعلت أمم أوربا

أمام لغات المغيرين والفاتحين فنتجت لغات فرعية وأمم مختلفة الأجناس.

وإما أن تتحرز عنها وتتصرف في استعمال ألفاظها لضم هذه المعاني الغريبة

إليها بطرق التجوز والاشتقاق واستعمال الغريب والعتيق منها فيما له أدنى ملابسة به؛

فتحفظ بذلك كيانها وتبقي شكلها، بيد أنها تعظم وتفره وتزداد نشاطا ورشاقة.

وبعد، فإن هي آنست من أهلها روحا قويا ونحيزة سليمة استطالت على

اللغة الأجنبية وصادرتها على أعز عزيز عليها من علومها وفنونها.

ففي أي طريق من هاتين نسير في تشجيع العربية؟ على اقتحام العقاب وتذليل

الصعاب التي تحول دون ورودها نهر العلوم والمعارف الذي تحول مجراه إلى جهة

الغرب؟

يقول قوم بسلوك الطريق الأولى، ومنهم حضرة خطيبنا الأول، وقد سمعتم

أقواله، ويقول قوم بسلوك الطريق الثانية وأتشرف أن أكون أنا منهم.

وها أنا الساعة آتي على الشبه والأعذار التي ينتحلها الفريق الأول ويتوهمون

أنها تدفع عنهم تهمة الاستسلام والخنوع للغة الأجنبي سواء تعرض لها زميلي

السابق أو لم يتعرض لها فأقول:

(الشبهة الأولى) يقولون: إن لغة أي أمة ما هي إلا أصوات مختلفة تدل

على المعاني التي تقوم بنفس كل فرد منها وتقع تحت إدراكه، وإن هذه المعاني

والمدركات لا تخرج عن دائرة احتياجاته ومرافقه ومشاهداته بحسب طبيعة المقر

الذي نبت فيه، والبيئة التي استوطنها، فليس يطلب إلا ما يعرفه ولا يصف إلا ما

يشاهده من الأناسي وأنواع الحيوان والنبات والجماد، فإن هو انتقل من وطنه إلى

وطن آخر يباينه طبيعة وسكانا اختلفت احتياجاته ومشاهداته ومعانيه التي كانت

تقوم بنفسه، واختلفت معارفه وأغراضه بقدر مخالفة الوطن الجديد للقديم - فهو

لا يستعجم أمام هذه المناظر الجديدة ولا يخرس دون التعبير عن أغراضه الحديثة بعلة

أنه لم يعهدها في وطنه ولم يوضع لها اللفظ في لغته، بل يجاري طبيعة وطنه

الجديد، ويساجل الجيل الذي يعاشره، فيقتبس من لغته كما اقتبس من معانيه،

ويتزود من ألفاظه كما تزود من المعلومات الحديثة التي أضافها إلى علمه.

ومثل الأمة في ذلك مثل الفرد وذلك طبيعي في البشر. فإن العرب الذين نحن

الآن بصدد البحث في لغتهم لم يشذوا عن هذا الناموس الطبيعي، بل نقلوا إلى

لغتهم كثيرا من الألفاظ الفارسية والرومية والحبشية والهيروغليفية والسنسكريتية

إلخ، سواء كان ذلك في عصر جاهليتهم وبداوتهم، أو في عصر إسلامهم

وحضارتهم. فقد كان شعراؤهم وتجارهم يدخلون العراق والشام والحبشة ويأتون

بألفاظ أممها في شعرهم وحديثهم، فلا تلبث أن تنشب بلغتهم وتلوكها ألسنتهم

وتمتزج بأرقى طبقات الفصيح من كلامهم. وكفى لذلك دليلا أن القرآن الكريم

جاء بهذه الألفاظ في تضاعيف آياته وعباراته البليغة مثل السندس والإستبرق

والقسطاس، ولم تتجاف عنها الأحاديث الشريفة وعبارات البلغاء وسمر الخلفاء.

بل تعدت تلك الألفاظ إلى أطعمتهم وملابسهم وآنيتهم، كالسكباج والطيلسان

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٨٥