تعليمهم وتربيتهم، بالقيد الذي ذكره والشرط الذي اشترطه، وهو أن يكون القصد
تقدمهم بما يلائم طباعهم لا إلزامهم بنظامات فرنسا وعاداتها، فضلا عن شرائعها
ودينها، فالمطلوب مساعدتهم على إحياء لغتهم ودينهم، وإنماء ثروتهم مع تعليمهم
العلوم والفنون العصرية بالتدريج الملائم لحالهم.
يسهل هذا على فرنسا إذا قنعت من الاستعمار والامتلاك بما دون تحويل
المسلمين عن لغتهم ودينهم ورقبة بلادهم، ولها بعد ذلك من موارد الثروة ومصادر
القوة ما شاءت مع الرضا والحب.
يعلم كل الملمين بأحوال السياسة من المسلمين أن فرنسا طامعة في الاستيلاء
على المغرب الأقصى وتأليف إمبراطورية أفريقية إسلامية، وأهل الرأي منهم
يعلمون أن شجاعة أهل المغرب واستبسالهم لا يدفعان عنهم ما تريده فرنسا بهم مع
جهلهم وتفرقهم وكون بأسهم بينهم شديدا. ولكن سياستها إياهم بمثل ما ساست به
الجزائر في الماضي قد يراها المغرورون أمرا يسيرا، وهي في الحقيقة من أعسر
الأمور وأشدها تعقيدا وخطرا على فرنسا في المستقبل، ويظن المغرورون أن تغيير
السياسة في الجزائر تغييرا صوريا كاف في إرضاء المسلمين في تلك البلاد،
وإقناعهم في سائر البلاد بأن فرنسا تريد ترقيتهم مع المحافظة على دينهم ولغتهم.
والحق أنه لا يفيد في الأمر إلا الإخلاص في العمل وهو لا يخفى على أحد.
أقول هذا لفرنسا وأنا ناصح أمين، وإنما أنصح لها لاعتقادي أن في مصلحتها
هذه خيرا للمسلمين، بل أعتقد أن فرنسا لو جعلت لأهل الجزائر واليا منهم لكانت
فائدتها من ذلك أكبر من فائدتهم، فهل تلومني أمة الحرية إذا صرحت لها باعتقادي
هذا، وتعاقبني عليه بمنع هذا الجزء من المنار أن يصل إلى الجزائر؟ كلا بل أظن
أنها تقدر كلامي قدره، فإن لم تقدره اليوم فلابد أن تقدره في يوم آخر.
بل نحن نعلم أن فرنسا ما رضيت أن يكون سلطانها على تونس سلطان حماية
لا سلطان امتلاك رسمي؛ إلا لما استفادته من العبرة بحال الجزائر التي نعرفها نحن
وهي أعرف بها منا. ولكن ما عملته في تونس منتقد من وجوه كثيرة، والمنة بما
فيه من إصلاح أكبر منه. وقد شكرنا لها في هذه الأيام ما كان من التنفيس عن حملة
الأقلام، وإنشاء مجلس الشورى وإن كان دون المرام، فعسى أن يكون هذا بدء
سياسة مثلى يشكرها لها الإسلام.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">