تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتراكم الثلوج والرياح الزمهريرية، وساقتني جحفلة من الفرسان إلى خانقين

وصحبني جمع من الشرط ... ولقد كاتب الوالي من قبل والتمس منه أن يبعدني

إلى البصرة علما منه أنه لو تركني ونفسي لأتيتك أيها الحبر وبثثت لك شأنه وشأن

الأمة، وشرحت لك ما حاق ببلاد الإسلام من شر هذا الزنديق، ودعوتك أيها

الحجة على عون الدين، وحملتك على إغاثة المسلمين، وكان على يقين أني لو

اجتمعت بك لا يمكنه أن يبقى على دست وزارته المؤسسة على خراب البلاد

وهلاك العباد، وإعلاء كلمة الكفر.. . ومما زاده لؤما على لؤمه ودناءة على دناءته

أنه دفعا لثورة العامة وتسكينا لهياج الناس نسب تلك العصابة التي ساقتها غيرة

الدين وحمية الوطن إلى المدافعة عن حوزة الإسلام وحقوق الأهالي (بقدر الطاقة

والإمكان) إلى الطائفة البابية. كما أشاع بين الناس أولا (قطع الله لسانه) أني

كنت غير مختون (واإسلاماه) ما هذا الضعف؟ ما هذا الوهن؟ كيف أمكن أن

صعلوكا دنيء النسب، ووغدا خسيس الحسب، قدر أن يبيع المسلمين وبلادهم بثمن

بخس دراهم معدودة، ويزدري بالعلماء ويهين السلالة المصطفوية، ويبهت السادة

المرتضوية البهتان العظيم. ولا يد قادرة تستأصل هذا الجذر الخبيث شفاء لغيظ

المؤمنين، وانتقاما لآل سيد المرسلين، عليه وآله الصلاة والسلام.

ثم لما رأيت نفسي بعيدا عن تلك الحضرة العالية أمسكت عن بث الشكوى ...

ولما قدم العالم المجتهد القدوة الحاج السيد علي أكبر إلى البصرة طلب مني أن أكتب

إلى الحبر الأعظم كتابا أبث فيه هذه الغوائل والحوادث والكوارث، فبادرت إليه

امتثالا، وعلمت أن الله تعالى سيحدث بيدك أمرا، والسلام عليكم ورحمة الله

وبركاته.

... ... ... ... ... ... ... ... ... السيد الحسيني

يقول محمد رشيد:

إن هذا الكتاب نفخ روح الحماسة والغيرة في ذلك العالم العظيم صاحب

النفوذ الروحي في الأمة الفارسية، فأفتى بحرمة استعمال التنباك وزراعته وأذاع

العلماء فتواه بسرعة البرق، فخضعت لها أعناق الأمة حتى قيل: إن الشاه طلب في

صبيحة يوم بعد وصول الفتوى إلى طهران النارجيلة (الشيشة) فقيل له: إنه

ليس في القصر تنباك لأننا أتلفناه. فسأل عن السبب مبهوتا فقيل له: فتوى حجة

الإسلام، فقال: لم لم تستأذنوني؟ قيل: إنها مسألة دينية لا حاجة فيها إلى

الاستئذان! ! واضطر بعد ذلك إلى ترضية الشركة الإنكليزية على أن تأخذ نصف

مليون جنيه وتبطل الامتياز. وبهذا أنقذ السيد جمال الدين بلاد إيران من احتلال

الإنكليز لها بإبطال مقدمته، وهو ذلك الامتياز أو الامتيازات التي قرأت شرحها في

كتابه فهكذا تكون الرجال وهكذا تكون العلماء.

هكذا هكذا وإلا فلا لا ... ليس كل الرجال تدعى رجالا

وقد ظهر الآن تأثير نفوذ طائفة العلماء في بلاد فارس أتم الظهور بما كان

من قلب نظام الحكومة وتحويلها عن الاستبداد المطلق إلى الشورى. ولعل تلك الحادثة

هي المنبه الأول للعلماء إلى أن الأمر في أيديهم. فالسيد جمال الدين على هذا هو

العامل الأول في هذا الانقلاب كما أنه سبب الانقلاب الذي حدث في مصر؛ فإن عمل

جمعيته كان أول سعي في مقاومة سلطة إسماعيل باشا وتقويضها، وفي نفخ روح

الإصلاح في توفيق باشا حتى واثق السيد وخاصته بأنه إذا آل الأمر إليه ليؤسسن

مجلس نواب وليعملن وليعملن.

ولكن تداخل الجند في السياسة أفسد العمل بعد ذلك، ولم يكن نجاح العلماء

بسعيه وإرشاده في إبطال تداخل الأجانب في بلاد فارس هو المنبه وحده لكون

سلطة العلماء والأمة فوق سلطة الملوك، بل كان تمام التنبيه قتل الشاه بعد ذلك وما

قيل من أن قاتله من أتباع السيد جمال الدين.

لم يكتف السيد بتحريض كبير المجتهدين وسائر العلماء على الشاه ووزيره

ولا بنجاحه في ندبهم له، بل ذهب من البصرة إلى أوربا وطفق يطعن فيهما بالقول

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٥٢