تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السوء، وحسبوا الأمر أحبولة الحاذق وأسطورة الملق؛ وذلك لأنها ترى (وهو

الواقع) أن لك الكلمة الجامعة، والحجة الساطعة، وأن أمرك في الكل نافذ، وليس

لحكمك في الأمة منابذ، وأنك لو أردت تجمع آحاد الأمة بكلمة منك (وهي كلمة

تنبثق من كيان الحق إلى صدور أهله) فترهب بها عدو الله وعدوهم، وتكف

عنهم شر الزنادقة، وتزيح ما حاق بهم من العنت والشقاء، وتنشلهم من ضنك العيش

إلى ما هو أرغد وأهنى، فيصير الدين بأهله منيعا حريزا، والإسلام بحجته رفيع

المقام عزيزا.

هذا هو الحق، أنك رأس العصابة الحقة [2] ، وأنك الروح الساري في آحاد

الأمة فلا يقوم لهم قائمة إلا بك، ولا تجتمع كلمتهم إلا عليك، لو قمت بالحق

نهضوا جميعا ولهم الكلمة العليا، ولو قعدت تثبطوا وصارت كلمتهم هي السفلى،

ولربما كان هذا السير بالدوران حينما غض حبر الأمة طرفه عن شؤونهم، وتركهم

هملا بلا راع، وهمجا بلا رادع ولا داع يقيم لهم عذرا فيما ارتابوا. خصوصا لما

رأوا أن حجة الإسلام قد وني فيما أطبقت الأمة خاصتها وعامتها على وجوبه،

وأجمعت على حظر الاتقاء فيه [3] خشية لغوبه، ألا وهو حفظ حوزة الإسلام الذي

به بعد الصيت وحسن الذكر والشرف الدائم والسعادة التامة. ومن يكون أليق بهذه

وأحرى بها ممن اصطفاه الله في القرن الرابع عشر، وجعله برهانا لدينه وحجة

على البشر.

أيها الحبر الأعظم، إن الملك قد وهنت مريرته فساءت سيرته، وضعفت

مشاعره فقبحت سريرته، وعجز عن سياسة البلاد، وإدارة مصالح العباد، فجعل

زمام الأمور كليها وجزئيها بيد زنديق أثيم غشوم ثم بعد ذلك زنيم ... يسب الأنبياء

في المحاضر جهرا ولا يذعن لشريعة الله أمرا، ولا يرى لرؤساء الدين وقرا،

يشتم العلماء، ويقذف الأتقياء، ويهين السادة الكرام، ويعامل الوعاظ معاملة اللئام،

وإنه بعد رجوعه من البلاد الإفرنجية قد خلع العذار، وتجاهر بشرب العقار،

وموالاة الكفار، ومعاداة الأبرار. هذه هي أفعاله الخاصة في نفسه، ثم إنه باع

الجزء الأعظم من البلاد الإيرانية ومنافعها لأعداء الدين: المعادن، والسبل

الموصلة إليها، والطرق الجامعة بينها وبين تخوم البلاد، والخانات التي تبنى على

جوانب تلك المسالك الشائعة التي تتشعب إلى جميع أرجاء المملكة وما يحيط بها من

البساتين والحقول. نهر الكارون والفنادق التي تنشأ على ضفتيه إلى المنبع وما

يستتبعها من الجنائن والمروج ... والجادة من الأهواز إلى طهران، وما على

أطرافها من العمارات والفنادق والبساتين والحقول. والتنباك وما يتبعه من المراكز

ومحلات الحرث وبيوت المستحفظين والحاملين والبائعين أنى وجد وحيث نبت،

وحكر العنب للخمور وما تستلزمه من الحوانيت، والمعامل والمصانع في جميع

أقطار البلاد، والصابون والشمع والسكر ولوازمها من المعامل والبنك، وما أدراك

ما البنك؟ هو إعطاء زمام الأهالي كلية بيد عدو الإسلام واسترقاقه لهم واستملاكه

إياهم وتسليمهم له بالرئاسة والسلطان.

ثم إن الخائن البليد أراد أن يرضي العامة بواهي برهانه فحبق قائلا: إن هذه

معاهدات زمانية، ومقاولات وقتية، لا تطول مدتها أزيد من مائة سنة! ! يا لله من

هذا البرهان الذي سوله خرق الخائنين، وعرض الجزء الباقي على الدولة الروسية

حقا لسكوتها (لو سكتت) مرداب رشت وأنهر الطبرستان والجادة من أنزلى إلى

الخراسان وما يتعلق بها من الدور والفنادق والحقول. ولكن الدولة الروسية شمخت

بأنفها وأعرضت عن قبول تلك الهدية، وهي عازمة على استملاك الخراسان

والاستيلاء على الأذربيجان والمازندران إن لم تنحل هذه المعاهدات ولم تنفسخ هذه

المقاولات القاضية على تسليم المملكة تماما بيد ذاك العدو الألد، هذه هي النتيجة

الأولى لسياسة هذا الأخرق.

وبالجملة: إن هذا المجرم قد عرض أقطاع البلاد الإيرانية على الدولة ببيع

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٥٠