تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإسلام وبعثه النبي عليه الصلاة والسلام، كما قال تعالى: {هو الذي بعث في

الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من

قبل لفي ضلال مبين} (الجمعة: 2) الآية، فالكتاب مصدر كتب (كالكتابة) ولكنه

في الصدر الأول أكثر مصادر (كتب) استعمالا كما ترى في المأثور، وهذا التفسير

هو المختار جرينا عليه وبينا ترجيحه في التفسير عن الأستاذ الإمام. ويدخل في ذلك

ما ورد في تعليم الكتابة في الأخبار النبوية وآثار الصحابة وذلك كثير.

ومن فصوله مسألة كون أهل البدو أحسن حفظا من أهل الحضر لاسيما العرب

منهم وقد انتقد اليونانيون وأنكروا تعلم الكتابة لأول عهدها بحجة أن الناس يتكلون

على ما يكتب فيضعف حفظهم وذاكرتهم، ومنها بحث الاحتجاج بالكتب وشروط

الوثوق بها عند المحدثين، ولابن الصلاح فى ذلك كلام حسن.

وقد كتب السيد عبد الحميد أفندي الزهري مقالة موضوعها الكتابة والتدوين

والحفظ عند العرب نشرها في الجريدة (عدد 125 الصادر في 24 جمادى 25) بين

فيها أن من يختبر عرب البادية اليوم وما لهم من قوة الحفظ وكثرة المحفوظ

لقصائدهم ووقائعهم وخطبهم وأنسابهم لا يعجب مما نقل في حفظ سلفهم. وذكر من

كتابتهم في الجاهلية المعلقات وقصص أبطال الفرس كرستم، واستشهد على كتابتهم

المعاهدات والمحالفات بقول الحارث بن حلزة اليشكري في معلقته:

واذكروا حلف ذي المجاز ... وما قدم فيه العهود والكفلاء

حذر الجور أو تعدي وهل ... ينقض ما في المهارق الأهواء

فالمهارق جمع مهرق: وهي الصحائف، وقيل المهرق ثوب حرير أبيض

يسقى الصمغ ويصقل ثم يكتب فيه. وذكر أيضا منها قول هشام بن الكلبي: كنت

أستخرج أخبار العرب وأنسابهم وأنساب آل نصر بن ربيعة، ومبالغ أعمار من ولي

منهم لآل كسرى وتاريخ نسبهم من كتبهم بالحيرة.

وذكر من شواهد تدوينهم بعد الإسلام مسألة أمر عمر بن عبد العزيز بكتابة

السنن نقلا عن ابن عبد البر، وما جاء في (أعلام الموقعين) عن سفيان ابن

عيينة عن إدريس بن إدريس قال: أتيت سعيد بن أبي بردة فسألته عن رسل عمر بن

الخطاب التي كان يكتب بها إلي أبي موسى الأشعري وكان أبو موسى قد أوصى إلى

ابن أبي بردة فأخرج إليه كتبا منها قال: كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري (أما بعد

فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة) ... إلخ.

أقول: لعل أول من كتب الحديث وغيره من التابعين في القرن الأول،

وجعل ما كتبه مصنفا مجموعا خالد بن معدان الحمصي روي عنه أنه لقي 70 صحابيا

قال في تذكرة الحفاظ: وقال بحير: ما رأيت أحدا ألزم للعلم منه وكان علمه في

مصحف له أزرار وعرى، المراد بالمصحف الصحف المكتوبة المجموعة ولا

يوجد في العربية لفظ كهذا يدل على هذا المعنى بالنص، فإن لفظ (الكتاب)

المستعمل للدلالة على الصحف المجموعة في نحو جلد يطلق على الورقة أو

الصحيفة الواحدة ولذلك اتفقوا على تسمية القرآن المكتوب عند جمعه بالمصحف،

وكان قبل ذلك يسمي كتابا ولا يسمى مصحفا، فخالد بن معدان جمع علمه في

مصنف واحد جعل له وقاية لها أزرار وعرى تمسكها لئلا يقع شيء من تلك الصحف

وكان ذلك في القرن الأول طبعا؛ فإنه مات سنة ثلاث ومائة أو أربع ومائة.

ولكن المشهور أن أول من كتب الحديث مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن

شهاب الزهري القرشي، ولعل ذلك سبب أخذ أمراء بني أمية عنه.

قال أبو الزناد: كنا نطوف مع الزهري على العلماء ومعه الألواح والصحف

يكتب كل ما سمع، يعني من الحديث وغيره. فقد روى أبو صالح عن الليث قال: ما

رأيت عالما قط أجمع من الزهري يحدث في الترغيب فنقول: لا يحسن إلا هذا وإن

حدث عن العرب والأنساب، قلت: لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن القرآن

والسنة فكذلك. وقال عبد الرزاق: سمعت معمرا يقول كنا نرى أنا قد أكثرنا عن

الزهري حتى قتل الوليد بن يزيد؛ فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزائنه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٢١