تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنهم سليم بن قيس الهلالي أحد أصحاب علي بن أبي طالب، وله كتاب في

الحديث ويوجد هذا الكتاب إلى الآن في مكتبة السيد ناصر حسين الموسوي إمام

الشيعة في مدينة لكناؤ في الهند، كما ذكر ذلك صاحب مجلة البيان الهندية في العدد

السادس من سنته الرابعة وذكر غير ذلك عدة كتب لأصحاب علي موجودة عند

الشيعة الإمامية يضيق المقام عن ذكرها.

وأظن أن في هذا كله بيانا كافيا يقنع الذاهبين إلى أن المسلمين لم يدونوا

الحديث والعلوم إلا في القرن الثاني للهجرة أو بعده وأن رواية الأخبار والآثار التي

التزمها المسلمون في كتبهم المكتوبة بعد القرن الثاني إنما كانت شرطا في صحة

الأخبار التي نقلوها عمن كتب قبلهم ولوثوقهم برواية الرواة الكثيرين أكثر من

وثوقهم بخبر الكاتب الواحد.

إذ الخبر الذي يكتب في صحيفة ثم يترك لأيدي النساخ والمحرفين والدساسين

ليس في الصحة بمنزلة الخبر الذي يكتب ثم يتناقله الرواة قراءة ورواية، بحيث يأخذه الواحد عن الآخر كما كتب بحرفه أو معناه إلى ما شاء الله.

وأظنكم أيها السادة تسلمون معي أن هذه الطريقة في النقل لا تعد ثلمة في

تاريخ الإسلام يتطرق منها إليه الوهن والتجريح، بل تعد تحقيقا للأخبار بالغا حد

الأمانة والتمحيص لم تسبق إليه أمة من الأمم غير المسلمين.

بقي هنا اعتراض ربما يرد على ما تقدم من الكلام وهو قولهم: أين هي تلك

الكتب التي دونت في القرن الأول إلى منتصف القرن الثاني، مع أنه لم يصل إلينا

منها إلا ما ذكرت من الكتب الموجودة عند الإمامية وهي في الحديث وفيما روي عن

علي من بعض الخطب والأخبار، وأن أقدم ما وصل إلينا في التاريخ كتاب فتوح

الشام لأبي إسماعيل الأزدي البصري من علماء النصف الثاني من القرن الثاني

للهجرة؟ وأين هي كتب الزهري التي جمع فيها الحديث ووزعها عمر بن عبد

العزيز على الأمصار؟

فالجواب على هذا سهل وهو: إن المسلمين كانوا يتلقون كتب الأخبار قراءة

ورواية كما تقدم بيانه فلما استبحر العمران وترقت وسائل الحضارة واقتضى أن

يترقى فن التأليف تنسيقا وترتيبا وكتبت في ذلك الكتب الجامعة لأصول كل فن أو

فروعه أدمجت تلك الروايات أو الصحف المشتملة على مسائل متفرقة في تلك الكتب

الجامعة مع محافظة المؤلفين على أسانيدها، وفاء بحق الأمانة وتصحيحا للأخبار،

كما ترون ذلك في كل كتب الفنون التي اشتغل بها العرب، ودونت بعد القرن الثاني

مدعومة بالرواية على طريقتهم السابقة البيان كالتاريخ والحديث وآداب

اللغة العربية ولما انتفت الحاجة إلى تلك الكتب القديمة قضت على أعيانها سنة بقاء

الأنسب بالدثور بضرورة الحال، وأما ما كتب فيها فهو هو بعينه ما كتب في الكتب

الجامعة بعد ذلك العصر فإذا دثرت تلك الصحف التي خطتها أنامل العرب في

العصر الأول فإن ما كان فيها لم يزل باقيا يشهد بصحة تاريخ الإسلام. والسلام

اه.

(المنار)

نشرنا هذه الخطبة النفيسة بنصها لفائدتها وإجابة لاقتراح من اقترح علينا

نشرها مع كتابة شيء في الموضوع استداركا أو انتقادا، وقد اقترح علينا من قبل غير

واحد بأن نكتب شيئا في مسألة كتابة الحديث منهم الدكتور صدقي ومنهم الشيخ

صالح اليافعي في حيدر أباد، فإنه أرسل إلينا رسالة مطولة في الرد على ما كتبه

الدكتور صدقي في السنة الماضية بعنوان (الإسلام هو القرآن وحده) ولكن

سقط منها ورقات طلبناها منه فأجابنا بأنه لا يوجد عنده أصل لما فقد واقترح علينا

أن نكتب في الموضوع.

أما الانتقاد على خطبة رفيق بك فلا أرى فيها شيئا يهم انتقاده إلا قوله بصحة

الأخبار التي نقلها في تدوين الصحابة للحديث، وستعلم ما فيه. وأما الاستدراك فبابه

واسع حتى يمكن وضع مؤلف خاص في هذا الموضوع من فصوله كون تعلم

الكتابة لإخراج العرب من حجر الأمية الغالبة عليهم إلى بحبوحة العلم من مقاصد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٢٠