العالية بقدر الحاجة إليها، ثم ذاقت لذة القيام بنفسها، وأنفت إجابة كل داع يضلها
عن السبيل السوي - هنالك يتيسر لها إيجاد المجالس النيابية، واللجان
التشريعية التي تطلبها الجرائد السياسية، ويتمناها كل محب لنفسه ووطنه.
لا يخفى على حضراتكم أن من الأدلة على حياة الأمة وارتقائها أن تعرف قيمة
رجالها العاملين لنفعها حق قدرهم، وتشجعهم على أعمالهم حسا ومعنى،
فيذوقوا من حلاوة الاحترام والإكرام ما يقوي منهم الآمال بالإصلاح العام، فيزدادوا
نشاطا وتفننا في عملهم، ويقتدي بهم غيرهم، فيزداد ارتقاء الأمة بقدر زيادة
النابغين فيها.
لهذا رأيت من الواجب علي لصديقي (المرشد الرشيد) أن أحتفل بإكمال مجلته
(المنار) للسنة العاشرة من ظهورها في هذا اليوم المبارك 22 شوال سنة
1325، فقد كان في مثله ظهور أول عدد منها سنة 1315. ويحسن بي أن
أعرض على نظركم هذه النسخة من العدد الأول المذكور، وأقتطف منه زهرات
متفرقة، يتأرج نادينا بعرفها.
قال في المقدمة الافتتاحية: أيها الشرقي المستغرق في منامه، قد تجاوزت حد
الراحة فتنبه من سباتك وانظر إلى هذا العالم الجديد، فقد بدلت الأرض غير
الأرض، واستولى أخوك الغربي المستيقظ على قوى الطبيعة، فقرن بين الماء
والنار وأولدهما البخار، واستخدم الكهرباء والنور، واخترق الجبال، واختبر
أعماق البحار، وعرف مسائلة الهواء، وجمع بين أقطار الأرض، بل عرج للقبة
الفلكية فعرف الكواكب ومادتها، إلى أن قال: وإن هذا العصر عصر العلم والعمل
فلا تضيع أوقاتك بالتخيل والتفكر والأماني والتشهي. {من عمل صالحا فلنفسه
ومن أساء فعليها} (فصلت: 46) .
ثم قال: إن من وظيفة هذه المجلة الحث على تربية البنات والبنين،
وإصلاح كتب العلم وطريقة التعليم، وشرح الدخائل التي مازجت عقائد الأمة
وشبهت الحق بالباطل، حتى صار إنكار الأسباب إيمانا، وترك الأعمال المفيدة
توكلا، ومعرفة الحقائق كفرا، والتسليم بالخرافات صلاحا، واختبال العقل ولاية،
والخنوع والذل تواضعا، والتقليد الأعمى علما وإيقانا.
ومن غرضها رد الشبهات الواردة عن الشريعة الإسلامية، ودحض مزاعم من
زعم أنها حجاب بين العاملين بها وبين المدنية، وإقناع أرباب النحل المتباينة بأن الله
- تعالى - شرع الدين للتحاب والتواد والبر والإحسان، وإن المعارضة
والمناصبة تفضي إلى خراب الأوطان، وتقضي على هدي الأديان.
فهذا ما أردت أن أجتنيه لكم من أزهار هذه المقدمة.
ومن أبدع ما رأيته؛ أن سعادة العالم الفاضل أحمد فتحي باشا زغلول استشهد
في مقدمة ترجمته لكتاب (الإسلام) المطبوع في سنة 1315 في الصفحة
السابعة بشذرات من فاتحة أول عدد من المنار، فهي حينئذ قد شبت في مهدها،
وحازت الثقة عند أكابر الأمة منذ نشأتها.
فهذا ما دعاني أيها الأخلاء لاتخاذ هذه المناسبة اللطيفة والمصادفة الجميلة،
وسيلة حسنة للتشرف بدعوة حضراتكم لنجتمع على مائدة السمر الأدبي فوق أرائك
المحبة والصفاء، فيهنئ بعضنا البعض على هذا الاجتماع الأخوي المفيد، ونهنئ
كلنا هذا الأخ العزيز المحتفل به على توفيقه لهذه الخدمات التي نوهنا عنها، ونسأل
الله أن يمنحه الصحة ويزيد في عمره وعمر مجلته؛ ليزداد به النفع العام. وهذا
جهد ما يستطيع مثلي عمله والسلام.
لا خيل عندي أهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال
ثم إني أشكر حضراتكم بلسان الأمة المصرية على جزيل فوائد مجلاتكم
الزاهرة، فإنها طالما نشرت من أريج دوحها ما تعطرت بها النفوس، وأتمنى أن
يتكرر مثل هذا الاجتماع ولو مرة في كل شهر؛ لتبادل الآراء في ما يكون به زيادة
ترقية الأفكار.
وفي الختام أبتهل إلى الله أن يؤيد مولانا الخليفة والسلطان الأعظم بروح من
عنده، وأن يوفق خديوينا المعظم ورجال حكومته وعقلاء الأمة لما فيه نقع العباد