تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الروسية يرد من الخارج. وأما النصف الآخر فهو ثمرة كدح أهل تركستان وحدهم

فزراع القطن في تركستان يجلبون من روسيا الأوروبية إلى بلادهم مبالغ طائلة.

وأما المسلمون القاطنون في مدينة قزان وما يتاخمها من البلدان، فلهم كثير من

معامل الصابون والجلد. ومن معامل الجوخ ما فيه ثلاثة آلاف عامل. ومن جملتها

معامل (آقجورين) المثري المسلم الشهير. وتبيع هذه المعامل سنويا إلى الجيش

الروسي من الجوخ، ما يناهز مليون متر، وللمثري الشهير الحاج زين العابدين

تاغييف الذي تقدم ذكره معمل للمنسوجات القطنية فيه أربعة آلاف عامل. وأكثرهم

من المسلمين. وكذلك المهندسون وزعماء العمال فيها. وأما مديرها فكان من قبل

إنكليزيا، ولم تبق اليوم حاجة إلى الإنكليزي؛ إذ صاحبها يديرها بنفسه. وهناك

بيوت تجارية إسلامية كبيرة تشتغل باستخراج النفط والبترول، يبلغ ما يتعامل به

أحدهم عشرة ملايين روبل.

وأكثر السفن التي تسير في بحر قزوين ملك للمسلمين.

والفواكه الطيبة التي تتفكه بها روسيا كافة، تؤتي أكلها في بساتين المسلمين

في القريم. لا يظن ظان أن ذلك ارتقاء عظيم وتقدم عميم لأن كل ما ذكرناه عن

مسلمي روسيا هو شيء طفيف تافه جدا بالنسبة إلى الأمم الراقية الحية، التي تخطو

في مهيع التقدم والارتقاء بخطا العفاريت، وتهتدي إلى أسباب النجاح والفلاح اهتداء

الخريت، وتمضى في سبيل الخير والصلاح مضاء الاصليت.

ولكنه لا ينبغي لنا أن نيأس ونتقاعد عن النظر فيما يرقى شؤوننا ويصلح حالنا

إذ كل من سار على الدرب وصل.

ولا شك أن مسلمي روسيا يستفيدون ويفيدون من الانقلاب الذي حدث في

روسيا، ومن دستورها الذي هو ثمرة ذلك الانقلاب استفادة كبيرة. وقد تنبهت أفكار

الأمة في السنين الثلاث الأخيرة تنبها عظيما، واتسع نطاق الآمال اتساعا جسيما،

حقا إن انقلاب روسيا أثر تأثيرا يذكر في مسلمي روسيا، وأتاهم بفوائد جمة.

ولست الآن بمكتف بتعداد تلك الفوائد جملة، بل أحب أن أذكر هنا أهمها وأعودها

عليهم برادة.

أيها السادة: إن مسلمي روسيا أنشأوا لأنفسهم حزبا سياسيا دستوريا ديمقراطيا

باسم (اتفاق مسلمي روسيا) فاجتمع مندوبو المسلمين في الولايات المختلفة في

أغسطس سنة 1905 في مدينة (نيجني نوفغورد) غير أن الوالي لم يسمح بعقد

الاجتماع رسميا. ولم يكن الوقت ليتسع لتحصيل الإذن من العاصمة. فعقد

المندوبون اجتماعهم على ظهر باخرة استأجروها للتنزه عليها في نهر (فولجا) .

فقررت الآراء في ذلك الاجتماع إنشاء (حزب اتفاق المسلمين) وإنشاء فروع

له في الولايات للذب عن حقوق المسلمين السياسية والاقتصادية والأدبية.

وقد أنشئت لهذا الحزب الذي يتقوى يوما فيوما، فروع في بعض الولايات

بالفعل، ورفعت قوانينها إلى الحكومة لتصادق عليها. وكذلك عقد المسلمون سنة

1906 اجتماعا غير رسمي في بطرسبورغ، وآخر رسميا في نجني نوفغورد

وبلغ عدد الحاضرين في الاجتماع الثالث سبع مائة رجل، وامتدت مدة المفاوضة

والمناقشة خمسة أيام.

وبفضل هذه الاجتماعات انتشرت الأفكار السياسية بين المسلمين انتشارا

زائدا، فتسنى لهم أن ينتخبوا منهم أربعة وعشرين نائبا للدوما الأولى، و 36 نائبا

للدوما الثانية، ولا يسعنا هنا إلا الاعتراف بأن هذا النجاح الباهر في الانتخاب في

تينك المرتين لم يحصل بهمتنا فقط، بل كان فيه للقوانين العادلة ومعاملة أحرار

الروس لنا معاملة شريفة، تأثير كبير لا ينكر.

نعم، إن أحزاب التقهقر من الروس ينظرون إلى (اتفاق المسلمين) نظر

المغتاظ المستشيط. ولكنه غير خارج عن دائرة القانون حتى تكرهه الحكومة،

وليس حزبا يسعى لإيقاع التفرقة بين الرعايا الروسيين، حتى ينفر منه الأحرار من

الروس. ومما يحسن ذكره هنا؛ أن المسلمين يعيشون مع الروس على غاية من

الوفاق والوئام. وأمة الروس كثيرة الجنوح إلى الائتلاف والسلام. وهم لا ينظرون

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٢٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٢٧٦