وشيء من علم حفظ الصحة.
وأما المدارس الدينية فقد أصلحت منها مدرسة في قزان، وأخرى في
أورنبورغ، وثالثة في أوفا. وفي تلك المدارس تدرس اليوم العلوم الرياضية
والطبيعية، وتقويم البلدان والتاريخ. دع عنك العلوم العربية والدينية بأنواعها.
ولقد نشأ لمسلمي روسيا أفراد جادوا بأموالهم وأنفس أملاكهم؛ في سبيل
ترقية المعارف وإعلاء قدر الأمة والملة. وأخص بالذكر من بينهم المرحوم الحاج
نعمة الله قراميشف السيبيري الذي بذل أموالا طائلة في سبيل إنشاء مائة كتاب
ومائة مسجد، وأنفق مبلغا عظيما لتأسيس مكتبة عامة، أودعها أنفس الكتب
وأندر الآثار أكرم الله مثواه وأحله مقاما كريما.
وأنفق التاجر القزاني المرحوم أحمد الحسيني في إنشاء معاهد العلم وترقية
المعارف ثلاثمائة ألف روبل. وأنشأ شقيقه عبد الغني الحسيني مائتي كتاب على
نسق حديث، وقد نشر بهمته الشماء فكرة إصلاح الكتاتيب، وكذلك الأصول الحديثة
المعروفة بالأصول الصوتية التدريجية إلى تخوم الصين؛ وذلك بإنشاء الكتاتيب في
تلك الديار النائية، كما أنشأها في الولايات الروسية المتوسطة، جزاهم الله عنا
وعن العلم والفقراء جزاء حسنا.
وممن تقضي علينا الإنسانية أن نذكر اسمه مقرونا بالإجلال والاحترام الحاج
زين العابدين تاغييف الباكوي؛ لأن خدمة هذا المثري الكريم في سبيل نشر العلم
وإسعاد الفقراء، أكثر وأجزل.
أنشأ هذا الرجل في داغستان مائة مسجد ومائة كتاب. وأنشأ في ضواحي
مدنية باكو حقلا أنموذجيا. وأنشأ للدفاع عن الحقوق الوطنية جرائد متعددة باللغة
الروسية والتركية.
وبذل ملايين من الروبلات لتعليم أناس كثيرين في الجامعات الروسية
والأوروبية. وما معظم الأطباء والمحامين والمهندسين المسلمين الذين نفتخر بهم،
إلا من آثار همة هذا الرجل الكريم. ولم ينس هذا الرجل العظيم المسلمات أيضا،
فقد أنشأ في مدينة باكو مدرسة شامخة للبنات، أنفق على بنائها فقط عشرين ألف
جنيه. ووقف عليها وقفا يأتي بإيراد قدره ثلاثون ألف جنيه سنويا، ولا يبعد أن
تصبح هذه المدرسة ذات يوم (المدرسة الجامعة) للإناث.
ولم يجتزئ هذا الرجل بمساعدة من في روسيا فقط، بل مد يد المعونة إلى
إيران أيضا. وقد طبعت هناك كتب جمة على نفقة هذا الرجل الكريم. ويقدر ما
ساعد به المنكوبين والبائسين في البلاد الفارسية بمليون روبل وزيادة.
أيها السادة: شاركوني في الدعاء لهذا الرجل الناصح للإنسانية، والخادم
للفضيلة. أطال الله بقاءه وحفظه من كوارث الزمان.
وأما الأغنياء الذين أنشأوا كتابا أو كتابين، ومدرسة أو مدرستين فهم كثيرون
جدا، يتعذر علي الآن إحصاؤهم، وما الخطوة التي خطوناها إلى الأمام في ميدان
التقدم، إلا بفضل هذه الكتاتيب والمدارس التي أسست، ووصلت بهمة أمثال من
ذكرنا أسماءهم من أولي الهمم العالية، إلى ما وصلت.
وها قد آن لنا أن نوجه وجه الكلام إلى الأمور التجارية والاقتصادية.
إن لدى المسلمين الساكنين في آسيا الوسطى وأوروبا الروسية قوة تذكر في
هذا الشأن. ولكنه لابد من إعدادها وتنميتها بنشر العلوم والمعارف بينهم؛ لأن
الأقوام الذين يتفق للمسلمين أن يباروهم في ساحة الأعمال التجارية، أشداء أقوياء
فيما يمارسون. فلمسلمي روسيا - عدا من يسكنون منهم الولايات الداخلية - من
الأراضي ما يكفيهم للاستغلال. وقد تولدت بينهم فكرة الحرص عليها، وعدم تمكين
الآخرين منها، تولدا يبشر بحسن المغبة إن شاء الله. وأهل تركستان بارعون جدا في
أمور الفلاحة والزراعة. لا يقدر على نزع الأرض الغالة من أيديهم - من الوجهة
الاقتصادية - لا الروس، ولا مهاجرو الألمان.
وهم يكدحون في أمر الزراعة كدحا، لا يعرفون فيه الملل والسآمة. فهم
يشبهون المصريين من هذه الوجهة كل الشبه. ولكن أراضيهم الغالة أكثر وأفسح من
أراضي القطر المصري. ونصف القطن الذي تحتاج إليها معامل المنسوجات