إلى المسلمين نظر الممتهن المزدري، بل يعاملونهم معاملة القرين لقرينة، وأبواب
الجمعيات العلمية والأدبية والأندية والمدارس كلها مفتحة في وجوه المسلمين، إذا هم
رغبوا في اللحاق بأهلها.
نعم قد حدث في الأيام الغابرة بتأثير الكنيسة وجماعة المبشرين بعض الحوادث
المؤلمة. ولكنها قد زالت أسبابها بعد أن أعلنت الحرية كل الزوال،
ونؤمل أن تتحسن أحوالنا في المستقبل أكثر مما تحسنت. رأينا كثيرين ممن أكرهوا
زمن الاستبداد على التنصر، قد عادوا إلى الإسلام، وكذلك انتحل الإسلام أناس من
الروس الأصليين رجالا ونساء. والفضل في ذلك كله للحرية التي ترقى بها الأمم،
وتكمل الإنسانية.
مسألة التعليم العام
إذا أرادت معظم أمم الأرض أن تدخل في دور التمدن والرقي، يكفيها النظر
في مستقبلها فقط. وعلى العكس من ذلك الأمة الإسلامية، فإنها مطالبة بأن تمد
بنظرها إلى الماضي أيضا، فليس في الأمم الأخرى في غابر أزمانها ما يستدعي
الالتفات نحوه.
أما الأمة الإسلامية فإن أعوامها السالفة كلها عبر وحسنات ورقي ونجاح.
ولما كانت الأمة الإسلامية الحاضرة تمتاز على غيرها في هذا المبدأ، فلا بأس من
أن تعيد نظرة إلى الوراء، خصوصا في مسألة التعليم وإنشاء المدارس.
إن مصر هذه التي تعد منبعا للمعارف ومهدا للمدنية، وإن كانت في سالف
أيامها - أي منذ 40 قرنا - اشتهرت بارتقائها في العلوم، إلا أن هذه النعمة ما نفعت إذ ذاك غير كونها آلة لتوسيع نفوذ طائفة الكهنة، وواسطة لتقوية أهوائهم.
ثم انتقلت القراءة والكتابة إلى ديار اليونان، فظهرت فيها عدة مجامع
علمية كمدارس سقراط وأفلاطون وأرسطاطليس، إلا أن هذه المجامع لم تكن على شكل مدارسنا اليوم، بل كانت أشبه بمجالس المذاكرة خاصة، يختلف إليها المولعون
بالبحث والمناظرة، وأعني بذلك أنها لم تكن عامة للتدريس، يهرع إليها كل طالب.
انتقلت المدنية اليونانية بعد ذلك إلى الرومانيين، ثم ظهرت النصرانية بظهور
الدولة القسطنطينية، فتقدمت معها قوانين إدارة الملك وعلم الحقوق تقدما عظيما،
ولم تنتبه فيهم أيضا فكرة تعميم التعليم، فبقيت هذه المسألة غامضة غريبة عن
الأفكار، إلى أن قيض الله تعالى للعالم الإنساني الأمة الإسلامية التي اهتدت إلى هذه
الفكرة لأول وهلة، فأخذت مسألة التعليم العام - بسبب عنايتها - حظها من التوسع
والانتشار.
ومنشأ ذلك الإسلام نفسه لأنه كما أتى بالتوحيد، أتى بما يدعو إلى وجوب
تعليم العالم. فلقد كان من مقتضى ذلك أن المسلمين بنوا عند كل معبد تقام فيه
الشعائر الإسلامية كتابا، أو مدرسة للتعليم العام مجانا. فأصبح التعليم العام المجاني
من جملة الخيرات التي أنتجتها المدنية الإسلامية في العالم الإنساني. ثم لم تلبث
هذه النعمة العظمى في أيدي المسلمين زمنا طويلا حتى انتقلت منهم إلى الأمم
الغربية، وهناك نالت ما نالته من الحفاوة والإجلال، فتقدمت تقدما باهرا،
وانتشرت انتشارا عظيما.
فوا أسفاه على هذه الخسارة التي لحقت بنا، ووا أسفاه على ذلك الإهمال الذي
أفضى بنا إلى ضياع هذه النعمة من أيدينا بعد أن ورثناها عن آبائنا. لقد قصرنا
في حفظها تقصيرا لا مزيد عليه.
فالمعارف التي تركها لنا الأسلاف بقيت طفلة في مهدها، ولم نعمل على
إنمائها، بل المدارس والمعاهد العلمية التي هي تذكار المتقدمين لما لم نسع في
ترقيتها، فبدل أن نعمرها ونرفع أعلام مجدها السابق، سعينا في تخريبها أو
هدمها.
إن تلك المعاهد العلمية التي نشأ منها أمثال: ابن سينا والفارابي وابن رشد
والغزالي ومحيي الدين ابن العربي، أصبحت منذ عدة قرون دورا للعجزة والضعفاء
ومسكنا للمعطلين.
ولم يكن السبب في حالتنا هذه إلا التكاسل والإهمال الذي أسبل ستار الغفلة
علينا، وحال دون تنبهنا إلى حالة الأمم الأخرى.
أما الآن فقد أقبل - ولله الحمد والثناء - على الأمة الإسلامية دور التيقظ،