تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العلم به؛ ليعلم أن ذلك مما لا يغيب عن فطنته.

أقول: رحم الله أبا حامد، ما كان أحرصه على تكريم الطلاب، وتنشئتهم

على العزة والشرف، فهو يدخل على هذا المعنى من كل باب، ويتوسل إليه بأنواع

الأسباب، فأين من هذا ما يجري عليه شيوخ مشهورون من الغلظة والسباب ونبذ

تلاميذهم بأقبح الألقاب، حتى صار الذين يتعلمون في المدارس الدنيوية، يظنون أن

النزاهة والتكريم للطلاب مما وضعه الإفرنج من الآداب، وهكذا جردنا أنفسنا من

آداب ديننا، حتى صارت تعزى إلى غيرنا، ثم قال:

(الوظيفة الخامسة) : أن المتكفل ببعض العلوم ينبغي أن لا يقبح في نفس

المتعلم العلوم التي وراءه؛ كمعلم اللغة: إذ عادته تقبيح علم الفقه. ومعلم الفقه

عادته تقبيح علم الحديث والتفسير. وأن ذلك نقل محض وسماع، وهو شأن العجائز

ولا نظر للعقل فيه، ومعلم الكلام ينفر عن الفقه، ويقول: ذلك فروع وهو كلام

في حيض النسوان، فأين ذلك من الكلام في صفة الرحمن. فهذه أخلاق مذمومة

للمتعلمين ينبغي أن تجتنب، بل المتكفل بعلم واحد ينبغي أن يوسع على المتعلم

طريق التعلم فى غيره، وإن كان متكفلا بعلوم ينبغي أن يراعي التدريج في ترقية

المتعلم من رتبة إلى رتبة.

أقول: إن السبب في مدح كل متكفل بفن أو علم له، وذم غيره أو تقليل شأنه

هو ما يسمونه حب الذات، فهو لا يريد بذلك إلا مدح نفسه وتفضيلها على أقرانه

ومعاصريه، فهو قد يذم العلم الآخر، وإن كان عارفا بفائدته، فكيف إذا كان جاهلا

به. ثم قال:

(الوظيفة السادسة) : أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه، فلا يلقي إليه ما لا

يبلغه عقله، فينفره أو يخبط عليه عقله اقتضاء في ذلك بسيد البشر صلى الله عليه

وسلم، حيث قال: (نحن معاشر الأنبياء، أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، ونكلمهم

على قدر عقولهم) [4] . فليبث إليه الحقيقة إذا علم أنه يستقل بفهمها. قال صلى الله

عليه وسلم: (ما أحد يحدث قوما بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة على بعضهم) [5]

وقال علي رضي الله عنه، وأشار الى صدره: إن ههنا لعلوما جمة، لو وجدت لها

حملة وصدق رضي الله عنه (وفي نسخة الشارح: عليه السلام) في قوله:

فقلوب الأبرار قبور الأسرار.

فلا ينبغي أن يفشي العالم كل ما يعلم إلى كل أحد، هذا إذا كان يفهمه المتعلم

ولم يكن أهلا للانتفاع به، فكيف فيما لا يفهمه. وقال عيسى عليه السلام: (لا

تعلقوا الجواهر في أعناق الخنازير) فإن الحكمة خير من الجوهر، ومن كرهها فهو

شر من الخنازير، ولذلك قيل: كل لكل عبد بمعيار عقله. وزن له بميزان فهمه

حتى تسلم منه وينتفع بك، وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار. وسئل بعض العلماء عن

شيء فلم يجب، فقال السائل: أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(من كتم علما نافعا جاء يوم القيامة ملجما بلجام من النار؟) [6] فقال: اترك اللجام

واذهب، فإن جاء من يفقه وكتمته فليلجمني، فقد قال الله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء

أموالكم} (النساء: 5) تنبيها على أن حفظ العلم ممن يفسده ويضره أولى،

وليس الظلم في إعطاء غير المستحق بأقل من الظلم في منع المستحق) اه.

أقول: جعل بعض أهل النظر هذه المسألة - إظهار الحقيقة لكل أحد في كل

وقت- محل بحث، وللبحث فيها من الجهة النظرية مجال. ولكن من بلا الناس

وعرف شؤونهم، يحكم في هذه القضية بالسلب حكما لا تردد فيه، ولقد كان الأنبياء

المؤيدون بعناية الله وآيه، يظهرون حقائق الدين بالتدريج، ويستعملون الكلام

المجمل والكنايات والتجاوزات، والمتشابهات التي يأخذ منها كل ذي عقل وفهم على

مقدار عقله وعلمه. نعم، لا يجوز لأحد أن يقول قولا يخالف الحقيقة ليقبله الناس،

فإن فاعل ذلك من الكاذبين الغاشين، لا من الحكماء الناصحين، وإذا كان هذا ينافي

الصدق والحكمة، فهو أشد منافاة للنبوة، ومن ثم تعلم أن ما يقوله بعض الباطنية،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٢٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٢٥٤