تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(فأما الخلافيات المحضة ومجادلات الكلام ومعرفة التفاريع الغريبة (أي في

الفقه) فلا يزيد التفرغ لها مع الإعراض عن غيرها إلا قسوة في القلب، وغفلة عن

الله تعالى، وتماديا في الضلال، وطلبا للجاه، إلا من تداركه الله تعالى برحمته

أو مزج به غيره من العلوم الدينية ولا برهان على هذا كالتجربة والمشاهدة،

فانظر يا أخي واعتبر واستبصر؛ لتشاهد تحقق ذلك في العباد والبلاد والله

المستعان) .

أقول: هذا ما يقوله حجة الإسلام في الفقهاء والمتكلمين أيام كانوا أئمة

في هذه العلوم، بهم ارتقت واتسعت دوائرها، وكانت محتاجا إليها لوجود الفلاسفة

والمبتدعة الذين يرد عليهم المتكلمون؛ ولكون جميع الأحكام في بلاد المسلمين

كانت جارية على أحكام الفقه، وهو مع ذلك يعد علومهم دنيوية، ويقول:

إنه علم بالتجربة، كما علم بالبرهان أنها لا تزيد القلب إلا قسوة وحبا في الدنيا،

وإعراضا عن الله تعالى. فماذا نقول في المنقطعين لهذه العلوم اليوم، وهم مقلدون

لأولئك الذين كانوا في عصره، ولمن دونهم ممن بعدهم، والحاجة إلى علومهم الآن

ليست كالحاجة إليها في عصره، فإن معظم فقههم لا يحكم به أحد من حكام المسلمين

اليوم، ومعظم علم الكلام الذي يزاولونه لا حاجة إليه؛ لأنه عبارة عن رد على

الفلسفة اليونانية التي نسخت بالفلسفة العصرية، وعلى المعتزلة الذين انقرضوا.

مع هذا نرى شيوخ العصر في الأزهر وأمثاله من المدارس الإسلامية في

سائر البلاد، يتبجحون بأنهم رجال الدين المحافظون عليه، وهم لا يلتفتون إلى

علومه الحقيقية التي تهذب النفوس، وتصلح القلوب، وتربي الأرواح من التفسير

والحديث والأخلاق، وسنن الله في الأنفس والآفاق، وحكمه في المخلوقات كما

أوضحه حجة الإسلام في الإحياء. وقد تعب الأستاذ الإمام محمد عبده - رحمه الله

تعالى - واجتهد وقاسى البلاء؛ ليجعل علم الأخلاق، وتاريخ نشأة الإسلام،

والتفسير الحقيقي مما يدرس في الأزهر، فلم يصادف من القوم إلا إعراضا. فأما

تفسير كتاب الله على أنه هدى ورحمة وموعظة وعبرة، فقد أحياه بنفسه، ولذلك

مات بموته. وأما الأخلاق وآداب الدين وتاريخ الإسلام، فقد تقرر بسعيه تدريسها

رسميا. ولكنها لا تدرس ولا يحفل بها أحد، ومع ذلك كله كانوا يحاربونه بزعم أنه

شغلهم عن علوم الدين، ويرددون بألسنتهم وأقلام الجرائد المنتصرة لهم كلمة (الأزهر

مدرسة دينية محضة) ، فليعرضوا هذا القول على ما قرره حجة الإسلام في الإحياء

في هذا الموضع وغيره، ولينظروا بعد ذلك مكانه من الصدق. ألا إن الأزهر وأمثاله

مدارس دنيوية محضة بحسب ما قرره أبو حامد، ولا نعرف أحدا من العلماء نازعه

فيما قرره، ويشهد لذلك أننا لا نرى المتخرجين فيها يحفلون بأمر الدين وإرشاد

المسلمين. أين المتصدون لتهذيب النفوس وتربية الأرواح؟ أين حماة العقائد من

شبهات العلوم العصرية، وأهل الغيرة على دين النابتة الحديثة؟ أين أنصار السنة

الخاذلون للبدعة؟ أين الدعاة إلى الدين بحسب ما يليق بحال المعاصرين؟ مهما رفعت

صوتك بالنداء لا تسمع منهم مجيبا. ثم قال أبو حامد:

(الوظيفة الرابعة) : وهي من دقائق صناعة التعليم، أن يزجر المتعلم

عن سوء الأخلاق بطريق التعريض ما أمكن ولا يصرح، وبطريق الرحمة لا

بطريق التوبيخ. فإن التصريح يهتك حجاب الهيبة، ويورث الجرأة على الهجوم

بالخلاف، ويهيج الحرص على الإصرار؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم وهو مرشد كل

معلم: (لو منع الناس عن فت البعر لفتوه، وقالوا ما نهينا عنه إلا وفيه شيء) [3] .

وينبهك على هذا قصة آدم وحواء عليهما السلام وما نهيا عنه، فما ذكرت القصة

لتكون سمرا، بل لنتنبه بها على سبيل العبرة. ولأن التعريض أيضا يميل النفوس

الفاضلة والأذهان الذاكية إلى استنباط معانيه، فيفيد فرح التفطن لمعناه رغبة في

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٢٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٢٥٣