تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حتى في زماننا هذا من أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قالوا أشياء تخالف الحقيقة

مراعاة لأفهام الناس واستعدادهم، هو من الباطل الذي لا يدنو الصواب منه، بل هو

دليل على أن هؤلاء الباطنية يستحلون الكذب والغش والخداع فلا ثقة بأقوالهم ولا

بعقائدهم؛ أعني أنه لا يوثق بأنهم يعتقدون ما يقولونه ويدعون إليه، بل هم طلاب

رياسة من طريق الانتحال في الدين، وتشكيله بشكل وثني، كما يعلم من تاريخهم

منذ وجدوا، إلى أن ظهروا باسم البابية والبهائية في هذا الزمن.

ولهذا الذي قرره أبو حامد في هذه الوظيفة، جعل كتابه هذا مرتبا على ما

يشبه ترتيب الفقه، الذي كانت الرغبات كلها أو جلها متوجهة إليه في ذلك العصر؛

استدراجا للقلوب إليه في ذلك العصر؛ وحذرا أن تنفر منه كما صرح بذلك في

فاتحته، ولأجله جعل أحكام الفقه فيه على مذهب الشافعي إلا قليلا، على أن رأيه

في الإصلاح قائم على قاعدة إبطال التقليد. كما سيأتي عنه، فكأنه أراد أن يجعل

الإحياء مقدمة لما قرره في كتبه التي ألفها بعد ذلك: كالقسطاس المستقيم، والمنقذ

من الضلال، والمضنون به على غير أهله. ثم قال:

(الوظيفة السابعة) : إن المتعلم القاصر ينبغي أن يلقى إليه الجلي اللائق به

ولا يذكر له أن وراء هذا تدقيقا وهو يدخره عنه، فإن ذلك يفتر رغبته في الجلي

ويشوش عليه قلبه، ويوهم إليه البخل به عنه؛ إذ يظن كل أحد أنه أهل لكل علم

دقيق. فما من أحد الا وهو راض عن الله سبحانه في كمال عقله، وأشدهم حماقة

وأضعفهم عقلا هو أفرحهم بكمال عقله.

وبهذا يعلم أن من تقيد من العوام بقيد الشرع، ورسخ في نفسه العقائد المأثورة

عن السلف، من غير تشبيه ومن غير تأويل، وحسن مع ذلك سيرته، ولم يحتمل

عقله أكثر من ذلك، فلا ينبغي أن يشوش عليه اعتقاده، بل ينبغي أن يخلى وحرفته

فإنه لو ذكر له تأويلات الظاهر انحل عنه قيد العوام، ولم يتيسر قيده بقيد

الخواص، فيرتفع عنه السد الذي بينه وبين المعاصي، وينقلب شيطانا مريدا يهلك

نفسه وغيره. بل لا ينبغي أن يخاض مع العوام في حقائق العلوم الدقيقة، بل

يقتصر معهم على تعليم العبادات، وتعليم الأمانة في الصناعات التي هم بصددها،

ويملأ قلوبهم من الرغبة والرهبة في الجنة والنار، كما نطق به القرآن، ولا يحرك

عليهم شبهة؛ فإنه ربما تعلقت الشبهة بقلبه ويعسر عليه حلها فيشقى ويهلك.

وبالجملة لا يفتح على العوام باب البحث، فإنه يعطل عليهم صناعتهم التي بها قوام

الخلق، ودوام عيش الخواص.

أقول: أرشد في هذه الوظيفة إلى نوع من أنواع التدريج في تعليم طلاب

العلوم، وإلى طريق تعليم العامة، ومن هذا يتبين لك أن ما يلح بالدعوة إليه من

الإعراض عن الدنيا، والرغبة في معرفة الله تعالى والعلوم التي تقرب إليه، إنما

هو موجه إلى الخواص أصحاب الاستعداد للكمال. كما أشرنا إلى ذلك وسنزيده بيانا.

ثم قال:

(الوظيفة الثامنة) : أن يكون المعلم عاملا بعلمه، فلا يكذب قوله فعله؛ لأن

العلم يدرك بالبصائر، والعمل يدرك بالأبصار، وأرباب الأبصار أكثر، فإذا خالف

العلم العمل منع الرشد، وكل من تناول شيئا وقال للناس: لا تتناولوه فإنه سم مهلك.

سخر الناس به واتهموه، وزاد حرصهم على ما نهوا عنه، فيقولون: لولا أنه أطيب

الأشياء وألذها، لما كان يستأثر به. ومثل المعلم المرشد من المسترشدين مثل النقش

من الطين، والظل من العود. فكيف ينتقش الطين بما لا نقش فيه، ومتى استوى

الظل والعود أعوج، ولذلك قيل في المعنى:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم.

وقال تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾ (البقرة: 44) .

ولذلك كان وزر العالم في معاصيه أكثر؛ إذ يزل بزلته عالم كثير ويقتدون به

(ومن سن سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها) [7] ، ولذلك قال علي

رضي الله عنه: قصم ظهري رجلان: عالم متهتك وجاهل متنسك، فالجاهل يغر

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٢٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٢٥٥