صاحب الأرض، فكيف تقلده منة؟ وثوابك في التعليم أكثر من ثواب المتعلم عند الله
تعالى، ولولا المتعلم ما نلت هذا الثواب، فلا تطلب الأجر إلا من الله تعالى، كما قال
عز وجل: ﴿ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله﴾ (هود: 29) .
فإن المال وما في الدنيا خادم للبدن، والبدن مركب النفس ومطيتها، والمخدوم هو
العلم؛ إذ به شرف النفس، فمن طلب العلم بالمال كان كمن مسح أسفل نعله بوجهه
لينظفه، فجعل المخدوم خادما والخادم مخدوما، وذلك هو الانتكاس على أم الرأس،
ومثله هو الذي يقوم في العرض الأكبر مع المجرمين ناكسي رؤوسهم عند ربهم،
وعلى الجملة فالفضل والمنة للعلم.
(فانظر كيف انتهى أمر الدين إلى قوم يزعمون أن مقصودهم التقرب إلى الله
تعالى، بما هو فيه من علم الفقه والكلام والتدريس فيهما وفي غيرهما، فإنهم يبذلون
المال والجاه، ويتحملون أصناف الذل في خدمة السلاطين لاستطلاق الجرايات، ولو
تركوا ذلك لتركوا، ولم يختلف إليهم) .
(ثم يتوقع المعلم من المتعلم أن يقوم له في كل نائبة، وينصر وليه ويعادي
عدوه، وينتهض حمارا له في حاجاته مسخرا بين يديه في أوطاره، فإن قصر في حقه
ثار عليه، وصار من أعدى أعدائه. فأخسس بعالم يرضى لنفسه بهذه المنزلة، ثم
يفرح بها، ثم لا يستحي من أن يقول: غرضي من التدريس نشر العلم تقربا إلى الله
تعالى، ونصرة لدينه. فانظر إلى الأمارات حتى ترى ضروب الاغترارات) .
أقول: أما أخذ الأجرة على التعليم ففيه بحث، وإن كنا لا نخالف أبا حامد في
كون ما ذكره هو الكمال اللائق بعلماء الدين، لاسيما إذا كانوا في سعة من العيش.
ولكن التعليم قد صار صناعة، لا يتقنها إلا من انقطع لها عن الأعمال والمكاسب،
فمن كانت هذه حاله، لا يمنع إخلاصه في التعليم وابتغاء وجه الله به قبول الأجرة
عليه، لا سيما إذا كانت الأجرة من المصالح العامة؛ كالأوقاف وخزائن الحكومات،
وإدارات المدارس التي تنشئها الجمعيات أو الأفراد.
وأما ما قاله في العلماء الذين جعلوا الدين أحبولة لصيد المال والجاه والتقرب من
الأمراء والحكام فهو الحق الأبلج. وكذلك كلامه فيمن يحاولون استخدام تلاميذهم
وتسخيرهم في منافعهم والانتصار لهم، وإذا كان هذا شأن الكثير من الفقهاء
والمتكلمين في عصره، فماذا كان يقول لو رأى علماء الدين في عصرنا هذا؟
فليعتبر المعتبرون. ثم قال:
(الوظيفة الثالثة) : أن لا يدع من نصح المتعلم شيئا؛ وذلك بأن يمنعه من
التصدي لرتبة قبل استحقاقها، والتشاغل بعلم خفي قبل الفراغ من الجلي. ثم ينبهه
على أن الغرض بطلب العلوم القرب من الله، دون الرياسة والمباهاة والمنافسة،
ويقدم تقبيح ذلك في نفسه بأقصى ما يمكن، فليس ما يصلحه العالم الفاجر بأكثر مما
يفسده. فإن علم من باطنه أنه لا يطلب العلم إلا للدنيا نظر إلى العلم الذي يطلبه،
فإن كان هو علم الخلاف في الفقه والجدل في الكلام، والفتاوى في الخصومات
والأحكام فيمنعه من ذلك، فإن هذه العلوم ليست من علوم الآخرة، ولا من العلوم
التي قيل فيها: تعلمنا العلم لغير الله فأبى العلم أن يكون إلا لله. وإنما ذلك على
التفسير وعلم الحديث وما كان الأولون يشتغلون به من علم الآخرة ومعرفة أخلاق
النفس وكيفية تهذيبها، فإذا تعلمه الطالب وقصده الدنيا فلا بأس أن يتركه، فإنه يتشمر
له طمعا في الوعظ والاستتباع. ولكن قد يتنبه في أثناء الأمر أو آخره إذ فيه العلوم
المخوفة من الله تعالى، المحقرة للدنيا المعظمة للآخرة، وذلك يوشك أن يؤدي إلى
الصواب في الآخرة، حتى يتعظ بما يعظ به غيره، ويجري حب القبول والجاه
مجرى الحب الذي ينثر حوالى الفخ؛ ليقتنص به الطير، وقد فعل الله ذلك بعباده؛ إذ
جعل الشهوة ليصل الخلق بها إلى بقاء النسل. وخلق أيضا حب الجاه ليكون سببا
لإحياء العلوم، وهذا متوقع في هذه العلوم.