حمل كلامه هنا على أن المراد بكل من ملاذ الدنيا ونعيم الآخرة مرتبة الكمال فيهما
فإن من كان همه استكمل اللذات البدنية، لا يمكنه أن يستعد لتحصيل كمال
نعيم الآخرة المعبر عنه بلقاء الله تعالى والفوز برضوانه الأكبر، بل ربما تعذر
عليه الاستعداد لما دون ذلك، كما يفهم من التفصيل المذكور آنفا.
ثم بين أبو حامد بعد وظائف المتعلم، وظائف المعلم المرشد، ويعني بالمرشد:
المربي للنفس، المهذب للأخلاق، فقال:
بيان وظائف المعلم المرشد
(اعلم أن للإنسان في علمه أربعة أحوال؛ كحاله في اقتناء الأموال: إذ
لصاحب المال حال استفادة فيكون مكتسبا، وحال ادخار لما اكتسبه فيكون به غنيا
عن السؤال، وحال إنفاق على نفسه فيكون منتفعا، وحال بذل لغيره فيكون به سخيا
متفضلا، وهو أشرف أحواله. فكذلك العلم يقتنى كالمال فله حال طلب واكتساب،
وحال تحصيل يغني عن السؤال، وحال استبصار وهو التفكر في المحصل والتمتع
به، وحال تبصير وهو أشرف الأحوال. فمن علم وعمل وعلم، فهو الذي يدعي
عظيما في ملكوت السموات، فإنه كالشمس تضيء لغيرها وهي مضيئة في نفسها،
وكالمسك الذي يطيب غيره وهو طيب. والذي يعلم ولا يعمل به كالدفتر الذي يفيد
غيره وهو خال عن العلم، وكالمسن الذي يشحذ غيره ولا يقطع، والإبرة التي
تكسو غيرها وهي عارية، وذبالة المصباح (فتيلة) تضيء لغيرها وهي تحترق،
كما قيل:
ما هي إلا ذبالة وقدت ... تضيء للناس وهي تحترق
ومهما اشتغل بالتعليم، فقد تقلد أمرا عظيما وخطرا جسيما، فليحفظ آدابه
ووظائفه:
(الوظيفة الأولى) : الشفقة على المتعلمين، وأن يجريهم مجرى بنيه. قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا لكم مثل الوالد بولده) [2] بأن يقصد
إنقاذهم من نار الآخرة، وهو أهم من إنقاذ الوالدين ولدهما من نار الدنيا، ولذلك
صار حق المعلم أعظم من حق الوالدين، فإن الوالد سبب الوجود الحاضر والحياة
الفانية، والمعلم سبب الحياة الباقية، ولولا المعلم لانساق ما حصل من جهة الأب
إلى الهلاك الدائم، وإنما المعلم هو المفيد للحياة الأخروية الدائمة؛ أعني معلم علوم
الآخرة، أو علوم الدنيا على قصد الآخرة، لا على قصد الدنيا فهو هلاك وإهلاك.
نعوذ بالله منه.
وكما أن حق أبناء الرجل الواحد أن يتحابوا ويتعاونوا على المقاصد كلها،
فكذلك حق تلاميذ الرجل الواحد التحاب والتواد ولا يكون إلا كذلك، إذا كان
مقصدهم الآخرة، ولا يكون إلا التحاسد والتباغض إن كان مقصدهم الدنيا.. إلخ
أقول: غرض أبي حامد رحمه الله تعالى أن أول شيء يطلب من المعلم
المربي، هو أن يكون تلاميذه كأولاده في تربيتهم بالشفقة والرحمة، دون الغلظة
والقسوة، ومن لوازم الرحمة والشفقة حفظ كرامة الناشئ، وتربية ملكة العزة
والشرف في نفسه، ومن لوازم القسوة إهانته وتحقيره. ولا شيء يفسد الأخلاق
كالقسوة في التربية، وامتهان المربى واحتقاره بالقول أو المعاملة. ولا أعون على
التربية مع الرحمة والتكريم من السير فيها على هدي الدين من قصد الآخرة،
والتحذير من الغرور بمفاسد الدنيا وحظوظها الحقيرة، وقد جرى أهل المدارس
الدنيوية في هذا العصر على طريقة الرحمة والتكريم في التربية. ولكنهم أهملوا أمر
الدين، فكان أكثر المتخرجين في مدارسهم لا هم لهم من حياتهم إلا التمتع
بالشهوات وطلب المال من غير مبالاة بحرام ولا حلال. ثم قال:
(الوظيفة الثانية) : أن يقتدي بصاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه،
فلا يطلب على إفادة العلم أجرا، ولا يقصد به جزاء ولا شكرا، بل يعلم لوجه الله
تعالى وطلبا للتقرب إليه، ولا يرى لنفسه منة عليهم، وإن كانت المنة لازمة عليهم،
بل يرى الفضل لهم؛ إذ هذبوا قلوبهم لأن تتقرب إلى الله تعالى بزراعة العلوم
فيها كالذي يعيرك الأرض لتزرع لنفسك فيها زراعة، فمنفعتك بها تزيد على منفعة