تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أعني علم الفتاوى (يعني به ما يسمى الفقه) وعلم النحو واللغة المتعلقين بالكتاب

والسنة، وغير ذلك مما أوردناه في المقدمات والمتممات من ضروب العلوم التي هي

فرض كفاية (كفنون الصناعات كلها) ولا تفهمن من غلونا في الثناء على علم

الآخرة، تهجين هذه العلوم، فالمتكفلون بالعلم كالمتكفلين بالثغور والمرابطين بها

والغزاة المجاهدين في سبيل الله: منهم المقاتل، ومنهم الردء، ومنهم الذي يسقيهم

الماء، ومنهم الذي يحفظ دوابهم ويتعهدها، ولا ينفك أحد منهم عن أجر إذا كان

قصده إعلاء كلمة الله تعالى دون حيازة الغنائم، فكذلك العلماء. قال تعالى: {يرفع

الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} (المجادلة: 11) ، وقال تعالى:

﴿هم درجات عند الله﴾ (آل عمران: 163) والفضيلة نسبية (أي بينهم)

واستحقارنا للصيارفة عند قياسهم بالملوك، لا يدل على حقارتهم إذا قيسوا بالكناسين

فلا تظن أن ما نزل عن الرتبة القصوى ساقط القدر، بل الرتبة العليا للأنبياء، ثم

الأولياء، ثم العلماء الراسخين في العلم، ثم الصالحين على تفاوت درجاتهم.

وبالجملة ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ (الزلزلة: 7-8) ومن قصد الله بالعلم - أي علم - كان نفعه ورفعه لا محالة.

أقول: يعني رحمه الله تعالى، أنه ينبغي لطالب الكمال أن يطلب بالعلم الذي

يتوجه لتحصيله وجه الله تعالى؛ أي الوجه الذي يرضيه، وهو الذي فيه إقامة سننه

في النظام العام، ومنفعة الأنام، وذلك مدعاة لإتقان الأعمال، وحسن النية فيها،

وانتفاء الغش بها. وهل ثم من طريق للكمال الإنساني أقرب من هذا؟ ألسنا نشاهد

فشو الغش والطمع والاحتيال والقسوة، وأشباه هذه الرذائل في أهل العلوم والفنون

والصنائع الذين لا يعرفون الله، ولا يبتغون وجهه؟ ثم قال:

(الوظيفة العاشرة) : أن يعلم نسبة العلوم إلى المقصد، كما يؤثر الرفيع

القريب على البعيد، والمهم على غيره؛ ومعنى المهم ما يهمك، ولا يهمك إلا شأنك

في الدنيا والآخرة، وإذا لم يمكنك الجمع بين ملاذ الدنيا ونعيم الآخرة، كما نطق به

القرآن، وشهد له من نور البصائر ما يجري له من مجرى العيان، فالأهم ما يبقى

أبد الآباد، وعند ذلك تصير الدنيا منزلا، والبدن مركبا، والأعمال سعيا إلى

المقصد ولا مقصد إلا لقاء الله تعالى، ففيه النعيم كله، وإن كان لا يعرف قدره في

هذا العالم إلا الأقلون) ... إلخ. ما أطال به في هذه المسألة.

أقول: إذا أخذنا قول أبي حامد الغزالي هنا على ظاهره، نحكم بأنه غلط في

قوله إن القرآن نطق بأنه لا يمكن الجمع بين ملاذ الدنيا ونعيم الآخرة. فإننا نسمع

منادي القرآن يتلو علينا في سورة الأعراف، وهي من السور المكية التي بين فيها

أصول الدين وكلياته {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق

قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم

يعلمون} (الأعراف: 32) من آثر الحياة الدنيا على الآخرة، وكان لا يعمل إلا

للذاتها وشهواتها، يفوته حظه من الآخرة كله أو بعضه، وذلك أن حظ الإنسان في

الآخرة يكون على حسب ارتقاء نفسه في الحق والخير والإخلاص، وغير ذلك من

ثمرات الإيمان. وإيثار الشهوات يضعف هذه الأشياء، حتى يذهب بها من النفس

فتبقى حيوانية شيطانية. ومن الآيات المثبتة لهذا التفصيل قوله: {فمن الناس من

يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق * ومنهم من يقول ربنا آتنا في

الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار * أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله

سريع الحساب} (البقرة: 200-202) وقوله: {فأما من طغى * وآثر الحياة

الدنيا} (النازعات: 37-38) ... إلخ الآيات.

وإننا نجد في كلام أبي حامد ما يوافق هذا التفصيل في مواضع من الإحياء؛

ككتاب ذم الدنيا، وكتاب ذم المال والجاه، وغيرها من كتب الإحياء، ولذلك يمكن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٢٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٢٥٠