غور وغائلة. فإذ ذاك يمكن أن يكون ما يدعيه من فساده حقا، ولم أر أحدا من علماء
الإسلام صرف عنايته وهمته إلى ذلك، ولم يكن في كتب المتكلمين من كلامهم، حيث
اشتغلوا بالرد عليهم، إلا كلمات معقدة مبددة ظاهرة التناقض والفساد لا يظن الاغترار
بها بغافل عامي، فضلا عمن يدعي دقائق العلوم، فعلمت أن رد المذهب قبل فهمه،
والاطلاع على كنهه رمي في عماية.
فشمرت عن ساق الجد في تحصيل ذلك العلم من الكتب بمجرد المطالعة،
من غير استعانة بأستاذ، وأقبلت على ذلك في أوقات فراغي من التصنيف
والتدريس في العلوم الشرعية، وأنا ممنون بالتدريس والإفادة لثلاث مائة نفر من
الطلبة ببغداد، فأطلعني الله - سبحانه - بمجرد المطالعة في هذه الأوقات المختلسة
على منتهى علومهم في أقل من سنتين، ثم لم أزل أواظب على التفكر فيه بعد فهمه
قريبا من سنة، أعاوده وأردده وأتفقد غوائله وأغواره حتى اطلعت على ما فيه من
خداع وتلبيس، وتحقيق وتخييل اطلاعا لم أشك فيه.
ثم ذكر أصناف الفلاسفة، وأنواع علومهم من: رياضيات ومنطقيات
وطبيعيات وإلهيات وسياسيات وخلقيات، وبين رأيه فيها وسنذكره. وانتقل من ذلك
إلى الكلام في مذهب الباطنية.
مذهب التعليم وغائلته
قال: (ثم إني لما فرغت من علم الفلسفة، وتحصيله وتفهيمه وتزييف ما
يزيف منه، علمت أن ذلك أيضا غير واف بكمال الغرض، وأن العقل ليس مستقلا
بالإحاطة بجميع المطالع، ولا كاشفا للغطاء عن جميع المعضلات، وكان قد نبتت
نابتة التعليمية، وشاع بين الخلق تحديهم بمعرفة معنى الأمور من جهة الإمام
المعصوم القائم بالحق، عن لي أن أبحث عن مقالتهم؛ لأطلع على ما في كتبهم. ثم
اتفق أن ورد علي أمر جازم من حضرة الخلافة بتصنيف كتاب يكشف عن حقيقة
مذهبهم، فلم يسعني مدافعته، وصار ذلك مستحثا من خارج ضميمة للباعث الأصلي
من الباطن.
فابتدأت بطلب كتبهم وجمع مقالاتهم، وكان قد بلغني كلماتهم المستحدثة التي
ولدتها خواطر أهل العصر، لا على المنهاج المعهود من سلفهم، فجمعت تلك
الكلمات، ورتبتها ترتيبا محكما مقارنا للتحقيق، واستوفيت الجواب عنها، حتى
أنكر بعض أهل الحق مني مبالغتي في تقرير حجتهم، وقال: هذا سعي لهم فإنهم
كانوا يعجزون عن نصرة مذهبهم؛ لمثل هذه الشبهات، لولا تحقيقك لها وترتيبك
إياها. وهذا الإنكار من وجه حق.
فلقد أنكر أحمد بن حنبل على الحارث المحاسبي تصنيفه في الرد على المعتزلة،
فقال الحارث: الرد على البدعة فرض. فقال أحمد: نعم، ولكن حكيت شبهتهم أولا
ثم أجبت عنها، فلم تأمن أن يطالع الشبهة من تعلق بفهمه، ولا يلتفت إلى الجواب،
ولا يفهم كنهه. وما ذكره أحمد حق. ولكن في شبهة لم تنتشر، ولم تشتهر. أما إذا
انتشرت، فالجواب عنها واجب، ولا يمكن الجواب إلا بعد الحكاية. نعم ينبغي أن لا
يتكلف لهم شبهة، لم تتكلف. ولم أتكلف أنا ذلك، بل كنت قد سمعت تلك الشبهة من
واحد من أصحابي المختلفين إلي بعد أن كان قد التحق بهم، وانتحل مذهبهم،
وحكى أنهم يضحكون على تصانيف المصنفين في الرد عليهم، فإنهم لم يفهموا بعد
حجتهم فلذلك أوردتها؛ لئلا يظن بي أني - وإن سمعتها - لم أفهمها، فلذلك قررتها.
والمقصود أني قررت شبهتهم إلى أقصى الإمكان، ثم أظهرت فسادها، ثم
بين ذلك ملخصا في عدة صفحات، وليس بيان ذلك من مقصدنا، إنما المقصد سيرة
هذا الإمام وبيان كيفية تربيته لنفسه وثمرة ذلك فيها، وفيما قصد إليه من الإصلاح.
القول في طريق الصوفية
(ثم إني لما فرغت من هذه العلوم، أقبلت بهمتي على طريق الصوفية،
وعلمت أن طريقتهم، إنما تتم بعلم وعمل، وكان حاصل علمهم قطع عقبات النفس
والتنزه عن أخلاقها المذمومة، وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب
عن غير الله تعالى، وتحليته بذكر الله، وكان العلم أيسر علي من العمل، فابتدأت