تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الواسعة، ولما سئل رسول الله - عليه السلام - عن الشرح ومعناه في قوله تعالى:

﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام﴾ (الزمر: 22) قال: (هو نور يقذفه الله

- تعالى - في القلب) ، فقيل: وما علامته؟ فقال: (التجافي عن دار الغرور،

والإنابة إلى دار الخلود) [3] وهو الذي قال عليه السلام فيه: (إن الله تعالى خلق

الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره) [4] فمن ذلك النور ينبجس من الجود

الإلهي في بعض الأحايين، ويجب الترصد له كما قال عليه السلام: (إن

لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها) [5] .

(والمقصود من هذه الحكايات أن يعمل كمال الجد في الطلب، حتى ينتهي إلى

طلب ما لا يطلب، فإن الأوليات ليست مطلوبة فإنها حاضرة، والحاضر إذا طلب فقد

واختفى، ومن طلب ما لا يطلب، فلا يتهم بالتقصير في طلب ما يطلب.

القول في أصناف الطالبين

(ولما شفاني الله - تعالى - من هذا المرض (أي: مرض السفسطة)

بفضله، وسعة جوده، انحصرت أصناف الطالبين (أي: للحق في الاعتقاد) في

أربع فرق:

المتكلمون: وهم يدعون أنهم أهل الرأي والنظر.

والباطنية: وهم يزعمون أنهم أصحاب التعليم، والمخصوصون بالاقتباس من

الإمام المعصوم.

والفلاسفة: وهم يزعمون أنهم أصحاب المنطق والبرهان.

والصوفية: وهم يدعون أنهم خواص الحضرة , وأهل المشاهدة والمكاشفة.

فقلت في نفسي: الحق لا يعدو أصحاب هذه الأصناف الأربعة، فهؤلاء هم

السالكون سبل طلب الحق، فإن شاء الحق عنهم فلا يبقى في درك الحق مطمع؛ إذ

لا مطمع في الرجوع إلى التقليد بعد مفارقته؛ إذ من شرط المقلد أن لا يعلم أنه مقلد

فإذا علم ذلك انكسرت زجاجة تقليده، وهو شعب لا يرأب، وشعث لا يلم بالتلفيق

والتأليف، إلا أن يذاب بالنار، ويستأنف لها صيغة أخرى مستجدة. فابتدرت

لسلوك هذه الطرق، واستقصاء ما عند هذه الفرق، مبتدئا بعلم الكلام، ومثنيا

بطريق الفلسفة، ومثلثا بتعليمات الباطنية، ومربعا بطريق الصوفية.

هذا ما كتبه الإمام الغزالي عن نفسه، بعد أن تلقى ما شاء الله من العلم بطريق

التقليد زمنا، وبطريق الاستقلال زمنا آخر. وقد ذكر بعد ما تقدم فصلا في مقصود

علم الكلام، وأنه حصله وعقله، وطالع كتب المحققين فيه، وصنف فيه ما شاء أن

يصنف، قال: فصادفته علما وافيا بمقصوده غير واف بمقصودي، وبين أن

مقصود علم الكلام حفظ عقيدة أهل السنة، وحراستها عن تشويش أهل البدعة، وأن

المتكلمين اعتمدوا على مقدمات تسلموها من خصومهم، وألجأوهم إلى التسليم بها،

وهي التقليد أو الإجماع، أو مجرد القبول من القرآن أو الأخبار. قال: (وكان أكثر

خوضهم في استخراج مناقضات الخصوم، ومؤاخذتهم بلوازم مسلماتهم. وهذا قليل

النفع في جنب من لا يسلم سوى الضروريات شيئا أصلا، فلم يكن الكلام في حقي

كافيا، ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافيا، نعم لما نشأت صنعة الكلام، وكثر

الخوض فيه، وطالت المدة، وتشوف المتكلمون إلى مجاوزة الذب عن السنة

بالبحث عن حقائق الأمور، وخاضوا في البحث عن الجواهر والأعراض وأحكامها.

ولكن لما لم يكن ذلك مقصود علمهم، لم يبلغ كلامهم فيه الغاية القصوى، فلم

يحصل منه ما يمحو بالكلية ظلمات الحيرة في اختلافات الخلق ولا أبعد أن يكون

حصل ذلك لغيري، بل لست أشك في حصول ذلك لطائفة. ولكن حصولا مشوبا

بالتقليد في بعض الأمور التي ليست من الأوليات. والغرض الآن حكاية حالي، لا

الإنكار على من استشفى به؛ فإن أدوية الشفاء تختلف باختلاف الداء، وكم من دواء

ينتفع به مريض ويستضر به آخر؟) اه.

القول في الفلسفة

ثم تكلم عن الفلسفة وما يذم منها، ويكفر منتحله، وما ليس كذلك قال: (ثم

إني ابتدأت بعد الفراغ من علم الكلام بعلم الفلسفة، وعلمت يقينا أنه لا يقف على

فساد نوع من العلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم، حتى يساوي أعلمهم في أصل

العلم، ثم يزيد عليه ويجاوز درجته، فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم من

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٢١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٢١٢