تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم، مثل قوت القلوب لأبي طالب المكي رحمه الله،

وكتب الحارث المحاسبي، والمتفرقات المأثورة عن الجنيد والشبلي وأبي يزيد

البسطامي وغير ذلك من كلام مشايخهم، حتى اطلعت على كنه مقاصدهم العلمية،

وحصلت ما يمكن أن يحصل من طريقتهم بالتعلم والسماع، وظهر لي أن أخص

خواصهم، ما لم يمكن الوصول إليه بالتعلم، بل بالذوق والحال وتبدل الصفات،

فكم من الفرق بين أن يعلم حد الصحة وحد الشبع، وأسبابهما وشروطهما، وبين أن

يكون صحيحا وشبعانا، وبين أن يعرف حد السكر، وأنه عبارة عن حالة تحصل

من استيلاء أبخرة تتصاعد من المعدة على معادن الفكر، وبين أن يكون سكرانا،

بل السكران لا يعرف حد السكر، وعلمه وهو سكران وما معه من علمه شيء.

والصاحي يعرف حد السكر وأركانه، وما معه من السكر شيء. والطبيب في

حالة المرض يعرف حد الصحة وأسبابها وأدويتها، وهو فاقد للصحة. فكذلك فرق

بين أن تعرف حقيقة الزهد وشروطها وأسبابها، وبين أن يكون حالك الزهد

وعزوف النفس عن الدنيا، فعلمت يقينا أنهم أرباب أحوال، لا أصحاب أقوال، وأن

ما يمكن تحصيله بطريق العلم قد حصلته، ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالسماع

والتعلم، بل بالذوق والسلوك، وكان قد حصل معي من العلوم التي مارستها،

والمسالك التي سلكتها في التفتيش عن صنفي العلوم: الشرعية والعقلية، إيمان يقيني

بالله وبالنبوة وباليوم الآخر، فهذه الأصول الثلاثة من الإيمان، كانت رسخت في

نفسي، لا بدليل معين مجرد، بل بأسباب وقرائن وتجاريب، لا تدخل تحت الحصر

تفاصيلها، وكان قد ظهر عندي أنه لا مطمع لي في سعادة الآخرة إلا بالتقوى، وكف

النفس عن الهوى، وأن رأس ذلك كله قطع علاقة القلب عن الدنيا بالتجافي عن دار

الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى، وأن ذلك

لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه والمال، والهرب عن الشواغل والعلائق.

ثم لاحظت أحوالي، فإذا أنا منغمس في العلائق، وقد أحدقت بي من الجوانب

ولاحظت أعمالي وأحسنها التدريس والتعليم، فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير

مهمة ولا نافعة في طريق الآخرة، ثم تفكرت في نيتي في التدريس، فإذا هي غير

خالصة لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلب الجاه، وانتشار الصيت،

فتيقنت أني على شفا جرف هار، وأني قد أشفيت على النار إن اشتغل بتلافي

الأحوال، فلم أزل أتفكر فيه مدة، وأنا بعد على مقام الاختيار أصمم العزم على

الخروج من بغداد، ومفارقة تلك الأحوال يوما وأحل العزم يوما، وأقدم فيه رجلا،

وأؤخر عنه أخرى.

لا تصفو لي رغبة في طلب الآخرة بكرة، إلا ويحمل عليها جند الشهوة حملة

فيفترها عشية، فصارت شهوات الدنيا تجاذبني سلاسلها إلى المقام ومنادي الإيمان

ينادي: الرحيل الرحيل، فلم يبق من العمر إلا قليل، وبين يديك السفر الطويل،

وجميع ما أنت فيه من العمل والعلم رياء وتخييل، فإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى

تستعد، وإن لم تقطع الآن فمتى تقطع، فبعد ذلك تنبعث الداعية، وينجزم العزم على

الهرب والفرار، ثم يعود الشيطان، ويقول: هذه حالة عارضة وإياك أن تطاوعها؛

فإنها سريعة الزوال، وإن أذعنت لها، وتركت هذا الجاه العريض والشأن المنظوم

الخالي عن التكدير والتنغيص، والأمر المسلم الصافي عن منازعة الخصوم، ربما

ألفت إليه نفسك، ولا يتيسر لك المعاودة، فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا،

ودواعي الآخرة قريبا من ستة أشهر أولها رجب سنة ثمان وثمانين وأربع مائة , وفي

هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار إذ قفل الله على لساني حتى أعتقل

عن التدريس، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوما واحدا؛ تطييبا للقلوب المختلفة،

وكان لا ينطق لساني بكلمة، ولا أستطيعها ألبتة، ثم أورثت هذه العقلة في اللسان

حزنا في القلب، بطل معه قوة الهضم، وقرم الطعام والشراب، فكان لا ينساغ لي

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٢١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٢١٤