تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهو علم لا ثقة به ولا أمان معه، فليس لعلم يقيني.

القول في مداخل السفسطة وجحد العلوم

(ثم فتشت من علومي، فوجدت نفسي عاطلا من علم موصوف بهذه الصفة

إلا في الحسيات والضروريات، فقلت: الآن بعد حصول اليأس لا مطمع في

اقتباس المشكلات إلا من الجليات، وهي الحسيات والضروريات، فلابد من إحكامها

أولا؛ لأتبين أن ثقتي بالمحسوسات، وأماني من الغلط في الضروريات من جنس

أماني الذي كان من قبل في التقليديات، ومن جنس أمان أكثر الخلق في النظريات،

أم هو أمان محقق لا غدر فيه ولا غاية له؟ فأقبلت بجد بليغ، أتأمل في

المحسوسات والضروريات وأنظر، هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها؟ فانتهى بي

طول التشكك إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضا، وأخذ

يتسع هذا الشك فيها، ويقول: من أين الثقة بالمحسوسات، وأقواها حاسة البصر

وهي تنظر إلى الظل فتراه واقفا غير متحرك، ونحكم بنفي الحركة، ثم بالتجربة

والمشاهدة بعد ساعة تعرف أنه يتحرك، وأنه لم يتحرك بغتة ودفعة، بل على

التدريج ذرة ذرة، حتى لم تكن له حالة وقوف. وتنظر إلى الكوكب فتراه صغيرا

في مقدار دينار، ثم الأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار.

هذا وأمثاله من المحسوسات، يحكم فيها حاكم الحس بأحكامه، ويكذبه حاكم

العقل، ويخونه تكذيبا لا سبيل إلى مدافعته. فقلت: قد بطلت الثقة بالمحسوسات

أيضا، فلعله لا ثقة إلا بالعقليات التي هي من الأوليات، كقولنا: العشرة أكثر من

الثلاثة، والنفي والإثبات لا يجتمعان في الشيء الواحد، والشيء الواحد لا يكون

حادثا وقديما، موجودا معدوما، واجبا محالا.

فقالت المحسوسات: بم تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات،

وقد كنت واثقا بي، فجاء حاكم العقل فكذبني، ولولا حاكم العقل لكنت تستمر على

تصديقي، فلعل وراء إدراك العقل حاكما آخر، إذا تجلى كذب العقل في حكمه،

كما تجلى حاكم العقل فكذب الحس في حكمه، وعدم تجلي ذلك الإدراك لا يدل على

استحالته، فتوقفت النفس في جواب ذلك قليلا، وأيدت أشكالها بالمنام، وقالت: أما

تراك تعتقد في النوم أمورا، وتتخيل أحوالا، وتعتقد لها ثباتا واستقرارا، ولا تشك

في تلك الحالة فيها، ثم تستيقظ فتعلم أنه لم يكن لجميع متخيلاتك ومعتقداتك أصل

وطائل، فبم تأمن أن يكون جميع ما تعتقده في يقظتك بحس أو عقل هو حق

بالإضافة إلى حالتك؟ لكن يمكن أن تطرأ عليك حالة تكون نسبتها إلى يقظتك،

كنسبة يقظتك إلى منامك، وتكون يقظتك نوما بالإضافة إليها، فإذا وردت تلك الحالة

تيقنت أن جميع ما توهمت بعقلك خيالات لا حاصل لها، أو لعل تلك الحالة ما

يدعيها الصوفية أنها حالتهم؛ إذ يزعمون أنهم يشاهدون في أحوالهم , إذا غاصوا في

أنفسهم وغابوا عن حواسهم أحوالا لا توافق هذه المعقولات، ولعل تلك الحالة هي

الموت؛ إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا) [*]

فلعل الحياة الدنيا نوم بالإضافة إلى الآخرة، فإذا مات المرء، ظهرت له الأشياء

على خلاف ما شاهده لآن، ويقال له عند ذلك: {فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم

حديد } (ق: 22) .

فلما خطرت هذه الخواطر انقدحت في النفس، فحاولت لذلك علاجا فلم

يتيسر، إذا لم يكن دفعه إلا بالدليل، ولم يمكن نصب دليل إلا من تركيب العلوم

الأولية، فإذا لم تكن مسلمة لم يكن تركيب الدليل، فأعضل هذا الداء ودام قريبا من

شهرين، أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال، لا بحكم النطق والمقال حتى

شفى الله - تعالى - من ذلك المرض، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال،

ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقا بها على أمن ويقين، ولم يكن ذلك بنظم

دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله - تعالى - في الصدر وذلك النور [2] هو مفتاح

أكثر المعارف، فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المجردة، فقد ضيق رحمة الله

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٢١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٢١١