كتب خلفاؤه ما رأيت، وهم أعلم الناس بما يوافق سياسة ذلك الذي ينحني خاضعا أمام
غاريبالدي؛ لأنه نبغ في وطنه إيطاليا وينكر فضل أعظم النابغين في وطن نفسه
كالأستاذ الإمام.
أليس هذا مما يعد مصداقا لقول الأستاذ الإمام في اللواء: (إنه مجموع نوبات
عصبية بعضها شديد، وبعضها ضعيف) (أو خفيف) .
فإن قيل: إن جريدة اللواء لم تقصر في تأبين الأستاذ الإمام عند موته، بل
اعترفت بأنه نال أعلى مقام بين علماء الإسلام (راجع ص 33 من ج 3 من
التاريخ) ، وبأن الأجنبي كان يخرج من حضرته وهو يحسد الإسلام عليه (ص
34) ، وأنه مات بموته العلم العصري، وأنه فقيد البلاد فقيد العلم فقيد اليتامى فقيد
البؤساء فقيد الإسلام والمسلمين ... إلخ (ص35) . فما باله اليوم لا يزيد في
التعبير عنه على كلمة (الشيخ عبده) ، والجواب عن هذا أن اللواء الآن في نوبة
شديد ة، هاجها ترقي أشهر مريدي الأستاذ الإمام في الحكومة: ترقي سعد باشا
زغلول إلى منصب الوزارة، وأحمد فتحي باشا زغلول إلى وكالة الوزارة.
وهنالك ميثاق مأخوذ على اللواء وعلى جرائد أخرى بإسقاط حزب الشيخ
محمد عبده ومقاومة رفعة ذكره، (والله متم نوره) وهو هو السبب في جعل
حسنات ناظر المعارف الجديد سيئات في تلك الجرائد، والطعن فيه بعد ذلك
الإطراء.
وانظر بعد هذا إلى قول عالم كبير روسي في جريدة روسية؛ لتكمل لك
العبرة، وهو ما جاء في جريدة (وقت) التي تصدر في مدينة أورنبورغ بروسيا
وهذه ترجمته:
(الشيخ محمد عبده)
كان الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية مات سنة 1323 في جمادى
الأولى في الإسكندرية.
كان الشيخ محمد عبده من أشهر مشاهير الرجال في هذا العصر، ولا شك أن
شهرته تزيد، ومكانته في النفوس تسمو على ممر الأيام؛ بما ترك من الآثار
الحسنة، وأتم من الأعمال الجليلة.
لم يكتسب الشيخ محمد عبده هذه الشهرة الفائقة بكونه كان مفتي الديار
المصرية. وإنما نالها بكمالاته العلمية. وإلا فقد سبق قبله بمصر مفتون كثيرون،
وتنقلت وظيفة الإفتاء بعده أيضا إلى عدة أشخاص، ولم ينل أحد من هؤلاء
وأولئك من الشهرة عشر معشار ما ناله الشيخ محمد عبده.
والسبب الرئيسي في تبريز الشيخ محمد عبده على أقرانه؛ هو استفادته من
علم حكيم الشرق السيد جمال الدين الأفغاني، وكان بعد وفاته خليفته في العلم
والإصلاح، غير أنه خالف أستاذه في خطته السياسية، ولا يخفى على البصير أن
الرجل الحر المستقل في آرائه وأفكاره لا يعمل إلا بما يعتقده صوابا، وإن كان فيه
مخالفة أساتذته ومشايخه.
قضى السيد جمال الدين الأفغاني حياته بالتفكير في إصلاح الدين الإسلامي.
والكلام بهذا الشأن أينما كان. غير أنه لم يتيسر له الشروع فيه عملا؛ لقضاء جل
أوقاته بالسياسة والسياحة. إلا أن ما لم يتيسر للأفغاني تيسر للشيخ محمد عبده
تيسرا كاملا. وذلك أنه بعدما رجع إلى مصر من منفاه في سورية بذل قصارى
جهده في المسلك (مسلك الإصلاح الديني) بالكتابة والتدريس في الأزهر.
كانت مجلة (المنار) التي يصدرها حضرة محمد رشيد أفندي رضا، أنشئت
بقصد نشر آراء الشيخ محمد عبده وترويج مقصده الديني [*] ، ولا تبرح بعد موته
أيضا على هذه الخطة المستحسنة - وينشر التفسير المقتبس من دروسه - في
(المنار) .
لم يكن الشيخ المرحوم يلتزم في تفسيره القرآن اتباع أحد من المفسرين
ولا غيرهم وإنما كان يعول فيه على بصيرته النيرة وفهمه الثاقب.
ثبت الشيخ محمد عبده في خطته ثبات الأطواد، ولم يأل جهدا في نشر
مقصده في أرجاء البلاد الإسلامية، حتى إنه كان مشغولا بالتفكير في مقصده في
مرضه الذي مات فيه، وجادت قريحته قبيل موته بأبيات يتحسر فيها لحلول الأجل
قبل تمام العمل.
كان الشيخ محمد عبده معاصرا لنا أيضا، وقد استفدنا كثيرا من علمه، وكنت
عاشق علمه وفضله، ولا أزال غير أني لسوء الحظ لم يتح لي التعرف به