(ولا ينبغي للقارئ أن ينسى أن هذه الأناجيل بشكلها الحاضر، لا تتضمن
ألبتة شهادة الحواريين وتلاميذ عيسى مباشرة، وأن القول بذلك من الخرافات التي
لا تصبر على محك النقد، فضلا عن عدم بنائها على أدنى أساس سوى رغبة
نفوس أرباب التقوى والورع في أن تكون كذلك. فقد توالت القرون، والناس
يدونون الأناجيل، ويهذبون موضوعاتها، ويتوسعون في عباراتها، ويشرحون
أقوالها، فإن أقدم النسخ التي وصلت إلينا قد تمت كتابتها في القرن الرابع للميلاد،
وهي مكتوبة على نسق واحد من أولها إلى آخرها، أي بلا فواصل ولا غير ذلك
من الإشارات التي تستعمل لإيضاح الكلمات وبيان الجمل؛ ولذلك دعت الضرورة
حتى بعد القرنين الرابع والخامس إلى تفسيرها بطرائق متخالفة من كل الوجوه،
وصارت نسخ هذه الأناجيل تقارب الخمسين ألفا) .
هذا ما قاله الفيلسوف، ونقول: إن رجال الدين قد اختاروا من بين الأناجيل
الكثيرة تلك الأربعة المشهورة، ورفضوا ما سواها بالتدريج. ويقال: إن بعض
مذاهب النصرانية القديمة، كانت تتمسك ببعض الأناجيل المرفوضة عند أهل
المذاهب المعروفة الآن.
ومن الأناجيل التي رفضتها الكنيسة إنجيل برنابا أحد حواري المسيح عليه
السلام، وقد فقد كثير من الأناجيل المرفوضة بتتبع الكنيسة لها، وقضائها عليها أو
إخفائها لها. ولكن إنجيل برنابا مما بقي تحت حجاب الخفاء حتى لم يطلع عليه إلا
بعض الباحثين من العلماء، وما زال هؤلاء الباحثون الذين لا يصدهم شيء عن
إحياء الآثار القديمة، يتوقعون الظفر بنسخة من هذا الإنجيل؛ لينشروها بين الناس
حتى صدق عليهم قول الشاعر:
قل من وجد في أمر يحاوله ... واستعمل الصبر إلا فاز بالظفر
ظفروا بنسخة باللغة الطليانية، كانت قد سرقت من مكتبة الفاتيكان التي يوجد
في خزائنها السرية من الكتب ما لا يوجد في غيرها؛ لما كان للبابوات الذين
جمعوها من النفوذ والسلطان في الممالك النصرانية.
ترجمت هذه النسخة بالإنكليزية، وطبعت في هذا العام بمدينة أوكسفورد
باللغتين معا، وتفضل الطابع لها بإهدائنا نسخة منها فشكرا له.
رأينا هذه النسخة توافق الأناجيل الأربعة المشهورة في كثير من مسائل
التاريخ والإرشاد، وتخالفها في أهم القواعد والمسائل: كالتعبير عن المسيح عليه
السلام بعبد الله ورسوله، وبيان أنه لم يصلب، والبشارة الصريحة عنه بمحمد
صلى الله عليه وسلم، والتصريح بكون الذبيح إسماعيل لا إسحاق (عليهما السلام) .
أردنا أن نحيي هذا الأثر بلغتنا، كما أحياه الإفرنج ببعض لغاتهم (ولابد أن
يحيوه بسائرها) ، فكلفنا صاحبنا الدكتور خليل بك سعاده أن يترجمه لنا بالعربية،
لما نعهد فيه من البراعة في اللغة الإنكليزية، فطفق يترجم، وأنشأنا نطبع شركة
بيننا، واخترنا أن تكون الترجمة عن الإنكليزية حرفية لا تصرف فيها. ولكننا
زدنا على الأصل عدد الجمل بالأرقام لكل فصل؛ لأجل سهولة المراجعة عند النقل
منه، ولا يلبث الإفرنج أن يفعلوا ذلك. وهاك ما قاله برنابا في مقدمة إنجيله كما
جاء في الأصل:
الإنجيل الصحيح ليسوع المسمى المسيح
نبي جديد مرسل من الله إلى العالم كما رواه
برنابا رسوله
برنابا رسول يسوع الناصري المسمى المسيح، يتمنى لجميع أهل الأرض
سلاما وتعزية.
أيها الأعزاء، إن الله العظيم العجيب، قد بعث إلينا في هذه الأيام الأخيرة
بنبيه يسوع المسيح برحمة عظيمة؛ للتعليم. والآيات التي اتخذها الشيطان ذريعة؛
لتضليل كثيرين تحت ستار التقوى، مبشرين بتعليم شديد الكفر، داعين المسيح ابن
الله، رافضين الختان الذي أمر به الله دائما، مجوزين كل لحم نجس، الذين ضل
من عدادهم أيضا بولس الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسى، وهو السبب الذي لأجله
أسطر ذلك الحق الذي رأيته وسمعته أثناء معاشرتي ليسوع؛ لكي تخلصوا، ولا
يضلكم الشيطان فتهلكوا في دينونة الله، وعليه فاحذروا كل أحد يبشركم بتعليم جديد